مشروع الخيانة الوطني

مشروع الخيانة الوطنيعبد الحميد الصائح

أي تغيير سياسي من داخل البلد مهما كانت دوافعه وأحداثه والأخطاء التي ترافقه يظل في النهاية أشرف للتاريخ الوطني بكثير من تغيير ياتي من خارج البلاد مفروضاً . كل المبررات لاتغطي استدعاء الأجنبي لتحرير انسان من ظلم ابن جلدته.
اتذكر حين اشتدّ الخلاف بين معارضي صدام قبل الحرب على العراق في عواصم العالم المختلفة. الكل متفق على ضرورة تغيير صدام، لكن الخلاف تصاعد بين من يراهن على التغيير من الداخل ومن لايرى الا بالتغيير من الخارج سبيلا. خلافٌ ، كأي خلافٍ عراقي ملأ وسائل الاعلام التي لاتصل العراق حينذاك بالمتناقضات والتخوين ومس الأعراض ونبش المواضي وطبخ الحواضر على نار الشتيمة والتخوين ،
دعاة التغيير من الداخل يخوّنون دعاة التغيير من الخارج بالعمالة لامريكا وهؤلاء يخوّنون اولئك بعمالة التخابر مع صدام ودعم نظامه . ولك عزيزي القاريء اللبيب ان تتخيل ماذا قال العراقيون عن بعضهم في ذلك السياق.
ماالذي يجعل التغيير من الخارج ضرورة .. ومتى يتم اللجوء الى المستثمر- المستعمر- سارق الثروات الذي يحرك دبابات وطائرات الأيجار من مسطر الجيوش الأممية . لتحررهذا وتقلب الطاولة على ذاك ، حتى تدخل الى اجتماعات الكتل السياسية وتحل المشاكل بين ابناء المذهب الواحد والوطن الواحد وتهدد وزارة التربية بضرورة استبدال المدارس الطينية ، وتحث القضاء على محاربة الفاسدين وتأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر ؟.
وفي اي حال يرى الشعب – المتضررين من بينه بالطبع – في التغيير من الخارج خلاصا الهياً ؟
فتش عن القسوة .
إنها القسوة .. القسوة أعلى درجات الظلم ، واعلى درجات القسوة هي ان تهان في عيشك وكرامة عائلتك ، والأعلى من هذا أن تهان وتجوع ،والأعلى منه ان تهان و تجوع وتعذب وتهدد بالموت ، وأعلى من ذلك كله ان تطرد من بيتك وان ينتهك عرضك وتغتصب ابنتك وتذبح زوجتك ثم تموت واقفا او مفصخا لافرق.
مستويات القسوة هذه يجب ان يكون توقعها فرضا على السياسي وفرضاً على المواطن ايضاً . على المواطن كي لايستسلم للامور البسيطة ويقبل بما لايقتنع به فيتضخم المسؤول الى ما لايمكن مساءلته اوازالته اوابداله. وعلى السياسي ان يتخيله كي يرى مايمكن أنْ يحدث في ظل حكمه ومسؤوليته اذا اخفق وفسد وأفسد وخان وخَدَعَ وخُدِع وافقر مواطنيه وأضعفهم ، وكيف ممكن ان تكون القسوة والتمييز واهانة الشعوب وتبديد ثرواتها وأحلامها سبباً وجيها جداً يجعل من الخيانة مشروعا وطنيا .
لان المسؤول ابن البلد يتحول الى محتل شانه شان اي اجنبي متجبر . واستقواء المواطن الاعزل الفقير باجنبي كي يقاتل اجنبيا يحكمه ، مسالة فيها نظر..
لماذا يوصل الساسة العراقيون الذين حكموا العراق جميعا منذ ( تاسيسه !) الموقف الى هذا الحد من الحماقات والفوضى ، العسكري ماينطيها والديكتاتور ماينطيها والديمقراطي ماينطيها ، والاسلامي ماينطيها والعلماني ماينطيها ، عاشق الدنيا ماينطيها ، وطالب الآخرة ماينطيها الا بالتغيير من الخارج .
حينذاك سينطيها قائد العراق العظيم غصبا عليه وعلينه .لندفعَ ثمنا قاسيا لذلك اضافة لمادفعناه فيما مضى ، والفرق اننا عرفنا مادفعناه ونجهل ماسندفعه وحجمَ الفاتورة التي تاتينا عادة في نهاية المطاف.



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*