المرجعيه الدينيه والهويه الوطنيه

لا شك أن ما يعيشه الشعب العراق من حالة أضطراب , لا تقتصر على الوقت الحاضر فيما يشهده من حالة فوضى عارمه , بل يمتد هذا الأمر الى تأسيسه كدوله عام 1921 م , حتى أن الملك فيصل الأول أعزى هذا الأمرالى أضطراب أو بالأحرى فقدان الهويه الوطنيه لسكان العراق ,حيث قال “في أعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد, بل توجد تكتلات بشريه خاليه من أي فكره وطنيه- لا تجمع بينهم جامع- والحاله هذه أن نشكل من هذه الكتل شعبآ”.
من كان حريص على بناء وطن عليه أن يبني هويه وطنيه له ,أو يعززها أن وجدت, هذه الأهميه أكتشفتها المرجعيه الدينيه ,وأشارة أليها في أكثر من مناسبه ومكان لأنها تعتبر من الأهميه بمكان , وهي تعتبرها العمود الذي يحفظ الخيمه العراقيه عند هبوب رياح المطامح الداخليه والخارجيه عليها. أن المرجعيه الدينيه تلفت الأنظار دوما الى ضرورة بلورة الهويه الوطنيه بأعتباره مشروع يساهم في حفظ وحدة أراضي وشعب العراق , ويعمل على لملمت شعث شعب يعاني من أنقسامات كثيره أسبابها عديده , منها تاريخيه , ومنها طائفيه , ومنها أثنيه, ومنها أقصاء مجموعه لمجموعه أخرى , كل هذا ساهم بتوسيع الفجوه بين هذه المجاميع , بل زادتها عمقآ. أن بقاء الأوضاع على هذا الشكل ينذر بتداعيات خطيره , تبدأ من الفوضى المجتمعيه والتي من أبرزها الفساد المالي والأداري , مرورآ بالحرب الأهليه , وأنتهاءآ بالتقسيم , وياريت تقف عن هذا, بل قد تمتد بحروب بينيه لا يعلم الا الله بأنتهاءها.
من الواضح لم يشرع بمشروع جدي لبناء هويه وطنيه عراقيه, صح كان هناك محاولات أبتدأها الملك , وهي ليس أكثر من تشخيص لواقع لأن فترة حكمه كانت قصيره حيث وافاه الأجل بعد فتره قصيره من الحكم, وبعدها جاءت محاولات ذات توجه قومي عروبي , وهو مشروع قام على رعايته المفكر القومي ساطع الحصري و ومن جهه أخرى قامت مجموعة رشيد عالي الكيلاني بتوجه ذو نزعه عروبيه , وهي الأخرى بائت بالفشل بعد فشل أنقلابهم على الوصي عبد الآله ورجوع الحكم الملكي ثانيه بقيادة فيصل الثاني. من المهم الأشاره الى أن الزعيم عبد الكريم قاسم عزم على ترسيخ الهويه الوطنيه للعراقيين واعطاءها أهميه أكبر من البعد العروبي لأن فلسفة الرجل تقوم على بناء الوطن أولآ وتعزيز هويته الوطنيه , وهذا هو السبب في الموقف المعادي والتامري عليه من قبل الزعيم المصري جمال عبد الناصر , حتى أننا يمكننا أن نعزو الأطاحه به من قبل تحالف البعث ذو التوجع القومي – عبد السلام محمد عارف ذو الأتجاه العروبي والمدعوم من الرئيس جمال عبد الناصر الى توجهاته الوطنيه التي لم تروق لأصحاب التوجهات والأيديولوجيات القوميه العروبيه. أن حكومة البعث التي جاءت بعد حكم الأخوين العارفيين هي الأخرى فشلت في بلورة هويه وطنيه للأسباب كثيره , منها البعد القومي لحزب البعث , والحكم بنفس طائفي لأبناء المذاهب التي لا تنتمي لمذهب رأس السلطه , النظره الشوفينيه للقوميات الآخرى بالبلد كالكرد والتركمان والأصول الغير العربيه والسكنه فيه من مئات السنين, كما أن الذي زاد الأمر بله هو التحول للحكم الفردي العائلي وخاصه في فترة حكم صدام حسين , وهذه كانت من أخطر المراحل في أبتعاد الناس عن الشعور الوطني بسبب التهميش والقسوه والأستئثار بالسلطه من قبل عائلة وأقارب صدام , مما ساهم ببروز مشاعر العداء للسلطه والذي أنعكس بعد فتره طويله من الممارسه المستبده والقاسيه الى حاله من الامبالاة والأنزواء عن هموم الوطن والنزوع لمشاعر الأنا , مما سبب نشوء أحساس اللاجدوى لدى المواطن,وأن الوطن بات يشكل عبئ ثقيل عليه بسبب الحروب المجنونه من قبل رأس النظام.
يتضح مما سبق أن السياسين والحكام الذين توالوا على حكم العراق قد فشلوا فشل ذريع في بناء الهويه الوطنيه , بل زادوا بالطين بله كما يقال, هنا ينبغي الأشاره بالمقابل لمواقف المرجعيه الدينيه الشيعيه بالتحديد , وتسجيل مواقفها الأرشاديه والعمليه في المساهمه في بناء الهويه الوطنيه وتعضيدها لأدراكها بأهميتها في البناء الوطني , ومن حسن الصدف وأنا أكتب هذا المقال صرح أية الله العظمى السيد السيستاني في لقاء له مع الممثله الخاصه للأمين العام للأمم المتحده جينين هينيس بلاسخارت ب” أهمية الألتزام العملي من قبل الجميع ومقتضيات السلم الأهلي والتماسك المجتمعي وعدم التفريق بين أبناء البلد الواحد , ورعاية الأقليات الدينيه والوطنيه” حقآ لو طبقت كل الحكومات المتعاقبه على حكم العراق هذه المبادئ لما تعرضت الهويه الوطنيه لهذا الأهتزاز ولا عشنا هذا التشظي الذي نعيشه اليوم والذي وضع البلد على كف عفريت, لم تقف المرجعيه الدينيه عند هذا فتوصياتها عبر خطباء الجمعه في الحرم الحسيني من قبل السيد الصافي والشيخ مهدي الكربلائي تؤكد على مفردات الوطن والوطنيه , والأمن الوطني ووحدة النسيج الوطني العراقي أكثر من المفردات المذهبيه , حتى أن فعاليات الشعائر الحسينيه ساهمت في أنصهار المجتمع العراقي في بوتقه واحده وأدمجتهم في متبنيات تزيد من قوة نسيجهم الوطني, فأتحد ابن البصره بأبن بغداد وأبن الموصل بأبن السماوه , فوحدة المشاعر ورفعوا نفس الشعار. لم يقف الأمر فقط على السيد السيستاني بل المرجع السيد حسن الأمين اللبناني قال في لقاء مع جريدة القدس العربي , دعى الى أن يكون الشيعه أنتماءهم الوطني هو الأساس من دون أن يتخلوا عن أنتماءهم الديني.
أن التاريخ سيسجل وبحروف من ذهب أن من حمى وحدة الأراضي العراقيه , ومن حمى أرواح وأموال العراقيين هي فتوى المرجعيه في النجف , وهذ الحدث لا يضاهيه أي حدث على صعيد وحدة الوطن ودفع الضرر عن شعب بكل طوائفه وقومياته. كما أننا يمكننا الأشاره الى بعض المواقف لعلماء الدين وتصديهم للسلوك الطائفي لعبد السلام محمد عارف المعروف بنفسه الطائفي , حيث القى الشيخ الدكتور الوائلي قصيده في بغداد عام 1965في مهرجان الشعر هاجم بها السلوك الطائفي لحكومة عبد الاسلام , والتي من بين أبياتها” ولأن أهدافآ توحد او دمآ غمر العروق وشائج لا تقطعوا”
يتبين من ذلك أن أدبيات المرجعيه الدينيه ووكلاءها وطلابها تعج بمفردات الوحده الوطنيه , وقوة النسيج الوطني. لذى ما أشار اليه العلامه حسن الأمين في صحيفة القدس العربي “أن تقلب بوصلة الأهتمام العربي من القضايا المصيريه والتنمويه الى قضايا تدفع بأتجاه العنف تنتهي بتمزق وطن من مثل القوميه العنصريه والطائفيه والمناطقيه.
كما من المهم الأشاره أن هناك نشاطات علميه وثقافيه تقوم بها مؤسسة المرجعيه تساهم في دعم أعمدة التراث الثقافي للشعب العراقي خاصه والأمه العربيه والأسلاميه عامه وهذا عنصر من أهم عناصر الوحده الوطنيه التي تجمع النسيج الأجتماعي على هويه واحده تجعله أكثر منعه وأشد قوه وأجمع للوحده الشعبيه.
أياد الزهيري



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*