بين الموت و “الصخونة”

علي علي

لاأظنني آتي بجديد إن ذكرت مقولة أديسون: “الكثير ممن فشلوا لم يدركوا مدى قربهم من النجاح عندما استسلموا”. فمن المؤكد أن أغلب ساستنا قد اطلعوا عليها يوما ما، لاسيما وهم يتدرجون في مناصبهم، ومعلوم أن من يصدق مع نفسه بنية حسنة لبلوغ النجاح، يحرص على رفد تجربته بالأقوال والدروس والمواعظ التي قالها سابقوه، وكذلك يقتفي أثرهم بالأفعال التي سجلها التأريخ في صفحاتهم. فما من مشروع -مهما كان بسيطا- يقدم عليه أحدنا إلا رافقه بدءًا من أول خطوة يخطوها شيئان، بإمكاننا أن نسميهما توأمي المشروع، هما المحفزات والمعوقات. والأولى يندرج تحت جلبابها مسمى آخر يكاد يكون أهم المحفزات ألا وهو الأمل، وكما يقول الطغرائي:
أعلل النفس بالآمال أرقبها
ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
فبالأمل وصل الانسان القمر والمريخ، وبالأمل خاض التجارب وأجرى العمليات في مجالات الطب والصناعة والتكنولوجيا، وبالتأكيد لم تكلل جميعها بالنجاح، بل كان الفشل الذريع محصول كثير منها، والذين حققوا النجاح هم الذي نفذوا من حلقات اليأس والقنوط، ولم تثنهم الكبوة عن المثابرة وبذل المزيد من المحاولات، بغية الوصول الى مايصبون اليه.
في سلسلة الإحباطات التي يمر بها البلد منذ ستة عشر عاما، كان من المفترض أن يرعوي المتسببون بها، ويستفيقوا من سباتهم، ويعودوا عن غيهم وتماهيهم الى حيث جادة الصواب والمسير الآمن لهم ولرعيتهم، فمن غير المعقول ولا المقبول أن تمر كل هذه السنوات دون النهوض بعد كبوة او اثنتين او عشر كبوات، بل أنها تترى بشكل مرعب ومستهجن أيضا. وإنه لمن المعيب أن يقع اللوم دوما على النظام السابق، وأن تكون ذريعة التلكؤ والتعثر مردودة الى شخص رئيسه، فالتبريرات التي يتعلل بأسبابها سياسيو العراق الجديد مربوطة أغلب الأحيان بآليات حكمه، وأظن ستة عشر عاما حريا بها أن تكون كفيلة بسد جميع الثغرات التي خلفها صدام، وأن يستنبط خلفاؤه في سدة الحكم من أخطائه محفزات للوثوب بآلية جديدة، الى حيث الأساليب الصحيحة في الإدارة والقيادة، فهل هذا ما حدث؟
للأسف، لم تكن أخطاء النظام السابق إلا دروسا ليس للاتعاظ، بل للتقليد والتطبيق بحذافيرها، وأول سنّة اتبعتها الحكومات اللاحقة تقليدا عن النظام السابق هي سنّة الشخص غير المناسب في المكان غير المناسب. وهذا عين مااتبعه رئيس النظام آنذاك بغية هدم بنى البلد، التحتية والفوقية وما بينهما، علاوة على هدم الفرد الذي يشكل الخلية التي يتبلور عليها المجتمع برمته.
وبذا توالدت الأخطاء وتناسلت الكبوات، وصار البلد يخرج من مأزق لينزلق بآخر أشد خطرا، وبين مأزق ومأزق يتجسد بحق المواطن مثلنا الدارج؛ (يخلص من الطاوه تتلگاه النار)..! وتداعيات الكبوات التي حدثت -ومازالت تحدث- في ساحات العراق كافة، مرتبطة تماما بالمجريات السياسية، لما هو شاغل بال الجميع، لاسيما خلال اليومين المقبلين، حيث بلغنا أدنى من قاب قوسين من موعد الانتخابات. فتقلبات الأحداث وتضارب التوقعات والتخمينات صارت حديث الكبير والصغير من العراقيين، وكيف لاتكون كذلك؟ وقد وصل البلد الى حافة هوة سحيقة، أدركها المواطن منذ حين، إلا أنه سار خلف الوعود البراقة التي أغدقها عليه ساسته، بشكل دوري كل أربع سنوات مجبورا ومكرها، حيث بانت لديه الأدوار التي اتفق على أدائها حاكموه خلف كواليس المكر، غير أن السؤالين اللذين كانا يدوران في خلد العراقيين طيلة سنوات الخديعة العجاف هما؛ ما الحل؟ ومن البديل؟ وما جواب هذين السؤالين بعسير عليهم، ولكن تتالي الكبوات وتعاقب الإحباطات خلق توجسا مريبا في نفوسهم، ورحم الله شاعر الأبوذية يوم قال:
يهالرايح لاخونه وصي اخونه
تره الوصخين كثروا ووصخونه
بين الموت طحنه والصخونه
يهدنه الموت اتچلب بينه هيه
aliali6212g@gmail.com



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*