تداعتْ عليكم ألأمم: فمــا أنتــم فاعلون؟

عزيز الخزرجي
شخصيّاً و منذ الصّغر .. كنتُ حين أسمع صوتاً عالياً أو ضوضاء يعلو قليلا من أشخاص أو شخص مجاور أنزعج وأضطرب ولا أستطيع التفكير ولا حتى الكلام أو الرّسم في تلك الأجواء, وأحاول ترك المكان وتغييره لمكان آمن وهادئ وتطبعت على هذا, وأصحابي ألعلماء ألعظماء كانوا هادئين و وقوريين كما الأنبياء والمرسلين, لإيمانهم بأنّ الحياة الحقيقيّة والأنتاج الفكريّ – ألفلسفيّ لا يتحقّق إلا في أجواء الأمن وألهدوء والصّمت والتأمل والتفكير العميق ألمُستند على المحبة .. كي يُمكنهم العمل بصوت عال لبناء الحضارة و آلمدنية!

بعكس ألشّعب العراقيّ وحتى أكثر العالم بقيادة الأحزاب الحاكمة ألمتحاصصة ألتي تُؤمن بآلعنف وآلسلاح والأرهاب والكذب لإبقاء الضوضاء وآلعبث والعشائرية والحميّة وأصوات العيارات النارية وكأنّك وسط حرب نفسية دائمة ودوائر و وزارات محمية بآلحديد والنار والفساد؛ لهذا قلتُ وأقولُ: (كيف يمكن أن ينشأ الطفل في هكذا أجواء ليُفكّر ويبني ويصلح حين يصبح قادراً)؟ لذلك بات الشعب العراقي كما أكثر شعوب العالم(1) لا يؤمن بآلفكر والهدوء ويعتبر صاحبه مريضا ومعقداً, وهذا ما سمعته حتى من “أكاديمييهم وعلماؤهم” لأنّهم ليس فقط لا يعرفون قيمة ومكانة ذلك, بل لا يعرفون معناها وأبعادها وتعريفها وتأثيرها في الحضارة والمدنية؟

تلك هي مشكلة العراق الأساسيّة وحتى عالم اليوم بحسب التحليل النفسيّ والتأريخي والسياسي والأجتماعي الذي أجريته وتوصّلت لتلك النتيجة وتيقّنت من عدم وجود عراقيّ يُؤمن بآلفكر والفلسفة بشكلٍ جدّي كأساس للدنيا وآلآخرة, وأفضلهم يؤمن بدين تقليدي و شهادة جامعية للأرتزاق وكليهما لا يغنيان شيئاً, ولا أحدهم يُفكّر بآلفكر وبنظريّة المعرفة (ألأيبستيمولوجيا) و دورها الحضاري و المدني, لأنهُ أساسا لا يعرف طرق التفكير و معانيها, فكيف يُطبّقها ويعمل بها؟ هذا بآلنسبة لمثقفيهم وعلمائهم؛ فكيف بالناس!؟

أما أسباب ذلك؛ و كما بيّناها في مبادئ الفلسفة الكونيّة(2), فيعود بإختصار لـفقدان الأدب و فساد نهج التربية والتعليم والوالدين وتسلط القيم العشائرية والبدوية والمعدانيّة والحزبيّة وإطلاق حرّية الشهوة لأبعد الحدود مقابل تقييد وقتل حرية التفكر لأبعد الحدود, و ضياع مبادئ معرفة الجّمال, والأهم من كل هذا هو خطأ فهم الدّين المحمدي الكونيّ, حيث تصوّروا بأنّ الأسلام أحكام و مسائل فقهية ومعظمها محرفة و مكررة يختلف عليها الفقهاء لذلك كان من الطبيعي وبسبب الدِّين المؤدلج إستبدال (العشق الحقيقيّ) ألروحي بـ (آلعشق المجازي) الماديّ ومن هنا تبدلت و إنعكست القيم و المعايير المجتمعية فولدت الأرهاب و الظلم و الطلاق وآلأنتخار.

و من يعتقد بأنّ شعب العراق شعب عاديّ ومسالم ومُحبّ .. فهو مجنون حتماً مثلهم.
فكيف يكون طبيعياً و كل شيئ كان و ما زال فيه غير إنساني وخاطئ ومشوه بل ومقلوب؟
إنهُ شعبٌ غاضبٌ ومُعصّبٌ ومغبون و ثائرٌ على كلّ شيئ؛ على السّماء والأرض, و شهدت هذا عند رجوعي للعراق بين الأهل والأقرباء والأصدقاء حيث شهدت أن كلٍّ منهم ثورة ضد الآخر وكأنه يغلي على نار وقد يشتعل في أية لحظة وهو مهيأ للأنتقام و إثارة الفتنة حتى على صغائر وأتفه الأمور رغم تحسن الوضع المادي لبعضم, لقد أعمى الله بصيرتهم بحيث لم يعودوا يعرفوا الجهل من العلم والجّمال من القبح, وألوان الطبيعة و قدرة الهدوء و سحر آلرومانسيّة .. بل بات حاكماً يطلق الأحكام تلو الأحكام على أهله و زوجته و أبنائه و جيرانه بإستثناء نفسه .. و كأنّ العالم كلّه مدين له بمليون ثأر وثأر .. لذلك لا قيم و لا حدود ولا حياء تحدّه خصوصاً لو سنحت له الفرصة للتعبير عن ثورته وغضبه المكنون لأجل النفس التي ضُغطت وظُلمت وكُبتتْ كثيراً بسبب الأنظمة التي توالت وأشاعت الأرهاب بنهبها لأموال الناس, من خلال الفروق الطبقية والحقوقية والأجتماعية, و كم قلت للحاكمين؛ بأنّ [كلّ جيوش العالم مجتمعة لن تستطيع القضاء على الأرهاب, العدل وحده يستطيع ذلك](3).
و رغم تكرار الحُكّام لمقولتي الكونيّة تلك, في كل خطاب؛ لكنهم كانوا يفعلون بعكسها عملياً, ويحاصروني ويضيقون الخناق علينا بقطع حقوققنا لمجرد إنتقادهم, بإختصار وجود العنفة الصّداميّة بعقل كلّ عراقيّ!

والحال لا يُوجد قطيع من الأبل أو سرب من الطيور تقتل أدلّائها ومُعلّميها وقدواتها الحقيقيين لا المزيفيين الذين يتنعمون بكل شيئ, بينما الشعب العراقي هو الوحيد مع حُكامه يستأسدون في آلأغتيال وبشتى الوسائل والحيل أقلّها دعم الأحزاب الفاسدة مقابل ألأرتزاق وتبرير الغيبة وإشاعة الكذب والنفاق لمصالحه آلخاصّة, لهذا لا ترى أبداً مفكراً شريفاً .. أو فيلسوفاً يعيش في أوساطهم بأمان, لأنه مقتول لا محال أو مهاجر في بلاد الله.

وأن آخر ما أقوله والمخلصين وهم كآلياقوت في هذا الزمن الأغبر المالح فيما يخصّ حرمة وحقوق الأنسان وآلمجتمع, وهو لكل الذين كانوا نضيفين وطيّبين فوسّختهُم المحاصصة ولقمة الحرام .. أقول بوضوح:
يا قوم إنيّ اخافُ عليكم مثل يوم الأحزاب, يوم إحترق الاخضر و اليابس سويّة.
إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ.
وقوله تعالى : ( تحسبونه هيّناً وهو عند الله عظيم), تحسبون فسادكم العظيم(رواتبكم و صفقاتكم) التي أزكمت النفوس هيّناً و هو عظيم.
وإختلط الحابل بآلنابل,و بدأ الذبح و القتل يشمل الشريف والساقط؛ الصالح و الفاسد حتى الذين كانوا يسكنون آلقصور ألمشيدة!
محمد باقر الصدر (رحمه) تجسّد فيه الخير كله؛ لكنكم قتلتموه و بسلوك دعاة اليوم دُمّرَ نهجه وإتهمه بعض مراجع التقليد بأنه يُريد أن يصبح خُميّنياً ثانياً للعراق! بينما صدام على ساديّته ما إستطاع سوى قتل جسده, وحين حَكَمَ من بعده مَنْ جعله – أي الصدر – غطاءاً لتنفيذ مآربه و نزواته, كان كصدام بحكمه بحيث ليس فقط لم يرى الشعب منهم لحد الآن خيراً يذكر.. بل ساءت الأحوال أكثر على كل صعيد!
شهداء عظام كانت آلسّماء والأرض تستحي من مشيتهم .. حاصرتموهم و قتلتموهم ليبق الأنتهازي ومن لا ضمير ولا إنسانيّة ولا حياء ولا رحمة في وجوده بسبب تبدل مقايس القيم والمحبة و حالة المسخ التي أصابت الجميع خصوصا أهل الرواتب الحرام!
شهداء الحقّ الكونيّ .. ما كان أعظمهم .. أصحاب قلوب طيّبة لا تعرف القساوة والظلم والأنانية, لكنكم و لموت ضمائركم بسبب لقمة الحرام؛ إعتبرتموهُم معقدين و فوضويّين.
وفوقها لحقهم القتل و التشريد والظلم .. ومعهم كلّ مثّقف ومفكر .. حتى خُلي العراق اليوم من مثقفٍ كبير أو مفكر قدير رحيم .. ناهيك عن فيلسوف حكيم!

فكيف بكم أيّها الحُكام والنواب والوزراء والقضاة؛ لو بدأت ثورة الفقراء .. و صولة الكريم اذا جاع والحليم اذا غضب؟
لا .. بل كيف بكم إذا جارت عليكم الأمم وقد بدأت كما تشهدون, وذاك ما أخبرنا عنه رسول الله(ص), بقوله في(حديث مرفوع):
[حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ بِشْرٍ الْمَرْثَدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ ، عَنْ مَرْزُوقٍ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحِمْصِيِّ ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحْبِيِّ ، عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَتَدَاعَى الأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا ، قُلْنَا : مِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ : لا ، أَنْتُم يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، يَنْزَعُ اللَّهُ الْمَهَابَةَ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ وَيَجْعَلُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهَنَ ، قِيلَ : وَمَا الْوَهَنُ ؟ قَالَ : حُبُّ الْحَيَاةِ وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ”].
أكرّر أيها الناس توبوا وحُكّامكم إلى بارئكم, فهذه الدّنيا زائلة و والله ستُحاسبون على ذرة -أكرّر ذرّة-وهل تعلمون ما حجم الذّرة بآلمقياس الكونيّ, فكيف بكم وأنتم تهدرون أموال الأمّة بمنعكم لأهل العلم من أخذ دورهم و حقوقهم تمهيداً لقتلهم!؟
ألفيلسوف الكونيّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) دول أوربية بدأت شعوبها تُحدّد ساعات معينة للصياح و العياط للتخفيف عن هموهم وآلتنفيس عن الضغوط النفسية.
(2) راجع سلسلة المباحث الكونيّة بعنوان: [محنة آلفكر الأنسانيّ], يشمل عشرين بحثاً.
(3) ولا يُعرف آلعدل, إلّا بآلمعرفة الكونيّة من خلال الأطلاع على نظام الحكم العلويّ.



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*