الشحنات ح1

حيدر الحدراوي
شحنات تنبعث من جسد الانسان , حين يفكر و حين ينفعل وحين يقوم بجهد جسدي , تؤثر فيه وتؤثر في من حوله , بل وقد يصل التأثير الى أبعد من ذلك , الانسان العادي يمكنه بعثها او إصدارها او تسريبها لكن لا يمكنه التحكم بها او السيطرة عليها , وأن فعل , فهو غير عادٍ.
بعضها موجبة وبعضها سالبة , كما وتختلف من ناحية الخمول والنشاط من شخص الى اخر , حسب حالة الشخص :
1- النفسية: وهي على قسمين:
أ‌) الهدوء و السكينة أو الحالة التأملية: في مثل هذه الحالة تنبعث شحنات:
أ-1- موجبة: في أغلب الاحايين ومفيدة للشخص , ونافعة لما حوله , وهي على عدة انواع:
أ-1-1- لا إرادية : تصدر عفويا , حتى بدون علم صاحبها , كما هو الحال في محبي الخير والانسانية.
أ-1-2- إرادية: يعرفها مالكها ويدرك نفعها , فيوجهها للمقربين منه كالأقارب والاصدقاء ومن يرغب هو فيهم.
أ-2- سالبة: تصدر من أصحابها بطريقين:
أ-2-1- غير مكتسبة: كامنة في صاحبها , كما هو الحال لدى الحاسد الفطري , الذي بوسعه إصدار شحنات سالبة تؤثر في الانسان والحيوان والجماد.
أ-2-2- مكتسبة: عن طريق ممارسات وطقوس ورياضات خاصة , كما هو الحال لدى السحرة والمشعوذين والحاسد غير الفطري الذي اكتسب مهارته عن طريق الممارسة والتعلم , وهي على نوعين:
أ-2-2-1- تدريبات وسلوكيات ورياضات خاصة تؤهل القدرات البشرية الذاتية المحضة وتطورها وتنميها الى ان يكتمل البناء فينتج حاسد غير فطري او مشعوذ او شخصا ذو طاقة مؤثرة في من حوله.
أ2-2-2- رياضات وعزائم وأقسام خاصة تهدف الى إجراء تحالف بين انسان وكائنات من عالم أخر (كالجن) , ما يمنح ذلك الانسان طاقات سلبية هائلة , تمكنه من التأثير سلبا على الاخرين , لكن بمردود عكسي , أي تعود عليه شحناته وتؤذيه , إن لم يتحصن جيدا منها.

ب‌) الانفعال: وهو شحنات تنبعث من الانسان اثناء حالة انفعال يمر بها , يختلف نوع الشحنة حسب نوع الانفعال , فقد تكون :
ب-1- إيجابية (موجبة) : في حالة فرح ومسرة , فيبادر بوعي او بدونه الى تصرفات (حركات) يعبر فيها عن فرحه , او بالأحرى عن نوع الشحنات التي تعتريه , فقد يقفز من شدة الفرح , او يستعرض أي شيء يظهر فيه إيجابيته , هو في الحقيقة ينشر شحناته الموجبة لمن حوله لكن بدون شعور او ادراك .
ب-2- سلبية (سالبة): في حالات كالغضب او الحزن , الشخص الغاضب يصدر شحنات سالبة تعتمد على مقدار غضبه , حتى وان تمكن من إخفاء غضبه وكبته فإن الشخص المدرب او ذو الفراسة او ذو الحنكة يدرك الغضب الذي اعتراه وإن لم يظهره صاحبه , والحزين أيضا يصدر شحنات سالبة حينما يكون الحزن مؤلما او معذبا للنفس , وشحنات موجبة ان كان الحزن فيه شيئا من الراحة والتنفيس , كما الشخص الغاضب لا يمكن للحزين إخفاء الشحنات المنبعثة منه مهما حاول وجدّ وأجتهد في إخفاءها وتظاهر في الفرح والسرور , فإن مستشعر الشحنات يدرك ماهية شحناته , الحال لا يختلف عن الانفعالات النفسية الاخرى.
يلجأ الغاضب والحزين الى تصرفات (حركات) عفوية في بعض الاحايين , كأن يكسر شيئا كان في يده او يضرب الجدار او يلطم وجهه …الخ , كل ذلك ضروري جدا من اجل التخلص من الشحنات السلبية التي قد تؤثر فيه سلبا ان كبتت .

2- الحركية: اذا لابد من حركة من أجل توليد الشحنات وانبعاثها او اصدارها او إرسالها , فحركة الانسان في شارع او بناء ما تتولد تلك الشحنات , الا انها تختلف من شخص لأخر , فبعضها موجبة والاخر سالبة , وبعضها خاملة واخرى نشطة , أي إنها تكون عشوائية , وغير منتظمة , ما يجعلها تتبدد بسهولة بفائدة قليلة او بدون فائدة , وربما بمضرة , الا ان ذلك المكان الذي شهد حركة الناس فيه قد امتلئ بالشحنات , التي كلما ازدادت الحركة فيه أزداد اكتسابا لها , وكلما طال الوقت أمتلئ بها أكثر وأكثر .
توليد الشحنات يكون على نوعين :
أ‌) جماعية: أي يشترك فيها أكثر من شخص وتنقسم الى عدة أقسام:
أ-1- عادات وتقاليد : توارثتها الشعوب والقبائل من جيل الى أخر , اعتادوا على ممارستها وحافظوا عليها , ربما عرفوا وأدركوا اسرارها , وربما لم يعرفوا عنها شيئا غير أنهم توارثوها واعتادوا ممارستها , وربما اقتصرت أسرارها على الكهنة فقط.
أ-2- موجهة: وهي ممارسات تعقد من أجل توليد الشحنات (الطاقة) , بمعنى ان الشحنات تولد وفقا الى طريقة ما او سلوك معين , ومن ثم يتم التحكم بها وتوجيهها وفقا الى رغبات الشخص المتصرف او وفقا لما تم توليدها من أجله , وتتخذ عدة مسارات , منها ( على سبيل المثال لا الحصر):
أ-2-1- الصوفية: ذات يوم , كان جلال الدين الرومي يسير في حالة غريبة تعتريه , مطأطأ الرأس , بدا وان شيئا ما يدور في رأسه , حتى أخذته اقدامه الى سوق الذهب , توقف فجأة ليستمع الى طرقات العمال في المتاجر , أكتشف شيئا كان مجهولا , الان لم يعد كذلك , ثبّت احدى قدميه على الارض , وأطلق الاخرى في حركة دورانية , لم يستهجن احد ممن في السوق , بل ولم ينكروا عليه ذلك , تصرفا كهذا من شخص ذو مقام عال قد يطيح بهذه الشخصية , الا ان ما حصل كان العكس تماما , نهض احد اصحاب المتاجر آمرا عماله بالاستمرار بالطرق دونما توقف وان فسد الذهب , استمر هذا الحال عدة ساعات , كانت النتيجة باهرة , فقد تعلق الاغنياء (أصحاب المتاجر) والفقراء (العمال) بالرومي أيما تعلق , وشرع يدرسهم ما توصل اليه .
حقيقة , برع الصوفية في مجال الطاقة (الشحنات) توليدا وتوجيها , واختلفت طرقهم في ذلك , فأختار بعضهم كثرة الاذكار والاوراد كالطريقة العلية القادرية الكسنزانية , واختار أخرون الحركات الدورانية كالطريقة المولوية , بينما أختار غيرهم حركات نصف دائرية عكس عقارب الساعة , وغيرهم ركز بشكل واضح وملحوظ على طبخ الطعام وتقديمه كالطريقة البكتاشية , الا أن جميع الطرق لا تكاد تختلف في عدة امور اساسية الخلوة وحلقات الذكر , والاخيرة لا يختلف عليها اثنان حيث يجب ان تتكون من :
أ-2-1-1- القطب : وعليه يدور مدار حلقة الذكر , يشترط ان يكون حيّا في بعض الطرق , ولا يشترط ان يكون حيّا في طرق أخرى , ففي نظرهم ان القطب موجود وله حضور وان كان قد فارق الحياة ظاهرا , لكن لا يشترط عليه حضور الحلقة طالما وهناك من يقوم مقامه.
أ-2-1-2- الشيخ: قد يكون الشيخ ممثلا عن القطب , وقد يكون هو القطب عينه , الا ان الحلقة لا تعقد من دونه او بدون أذنه , وأن لم يحضر فيترك قيادة الحلقة الى الخليفة (خليفة الشيخ).
أ-2-1-3- الخليفة (خليفة الشيخ): يتولى قيادة حلقة الذكر في حالة عدم حضور الشيخ لسبب ما , كبعد المسافة مثلا , او لكثرة حلقات الذكر , فيتولى هو القيادة بالنيابة عنه.
أ-2-1-4- اعضاء الحلقة : ينبغي حضور عدد كاف من المريدين والاتباع , والا أصبحت الحلقة عديمة الفائدة او لا تتم , وقد يكتفى بعدد قليل في بعض الاحيان.
أ-2-1-5- المداح (المنشد): أحد الافراد يقوم بتلاوة المدائح النبوية التي تداعب الوجدان والعاطفة , وتحرك القلب بالشوق .. والوجد , ويهدف دوره الى توحيد ألباب المشتركين في الحلقة.
أ-2-1-6- طبالين: عدة افراد يضربون الطبول او الدفوف بنسق معين يتناغم مع طريقة إلقاء المدائح النبوية , غالبا ما يكون اللحن مرخصا من قبل الشيخ , وهدفه السماع , ومداعبة الحواس عن طريق حاسة السمع.
أ-2-1-7- حركة المريدين والاتباع داخل الحلقة , والتي قد تكون نصف دائرية بعكس اتجاه عقارب الساعة او دائرة كاملة باتجاه عقارب الساعة وفقا الى الطريقة نفسها , وتهدف الى تنشيط الدورة الدموية , ما يعني المزيد من الاوكسجين للدماغ , القلب يكون في حالة وجد تحت تأثير المدائح النبوية واستنفار الحواس تحت ضرب الدفوف , والدماغ قد استلم ما يكفي من الاوكسجين .
أ-2-1-8- ألان , المشتركون بحاجة ماسة الى التنفيس , تفريغ الشحنات , والا عادت مؤثرة عليهم بالسلب , النطق , يجب ان ينطقوا بعض العبارات من قبيل (لا اله الا الله – هو – حي ) , حسب إملاءات قائد الحلقة , كما ولا يكفي ان تكون الاصوات صادرة من اللسان او الحنجرة , بل يجب ان تكون خارجة من اعمق الاعماق.
(الله – هو) من اسماء الذات المقدسة , (الحي) اسم يجمع كافة اسماء الصفات كالقدرة والعلم والعزة والرفعة والعظمة والارادة والكبرياء وغيرها , تليت هذه الاسماء في الحلقة بشكل علني , هناك شخص ما يردد (قيوم) بأمر من قائد الحلقة او قد يكون هو ذاته قائد الحلقة من يتلوه , و(القيوم) أسم جامع لكل اسماء الافعال , ومن دونه لا تكتمل حلقة الذكر (الله هو الحي القيوم) , يتجول الشيخ او قائد الحقة في الوسط , ملهما ودافعا الى الحماسة , محدقا في الوجوه وفي اماكن اخرى , كأنه يبحث عن شيء , او ينتظر قدوم قادم , اللحظة المناسبة , الوصول الى النشوة , عندها تكون الطاقة في أوجها , فيتلقاها منهم ويرسلها الى عدة جهات :
أ- 2-1-8-1- يرسل جزء منها الى القطب , وان كان ميتا فألى قبره.
أ-2-1-8-2- يرسل جزء منها الى الشيخ , ان لم يكن حاضرا .
أ-2-1-8-3- يحتفظ بشيء منها لنفسه , فأن ذلك مما يمده بالقوة الروحانية.
أ-2-1-8-4- يوزع القسم الاخير على المشتركين بالحلقة , حيث يقوم باختيار احدهم ممن قد ذاب في الذكر (او وفقا الى ملاحظات الشيخ) , فيقف امامه مباشرة , ويشرع بتلقينه او بتلقيمه (ما شئت فعبر) , فيكون هو المحور او مركز الشحنات ومنه تنتقل الطاقة (الشحنات) الى افراد الحلقة الاخرين , في بعض الاحيان , هذا الشخص لا يحتمل ذلك , فيقع على الارض مغشيا عليه , لا خطورة في الامر , طالما وان الشيخ او خليفته موجود .
أ-2-1-9- ختام حلقة الذكر : كل طريقة صوفية تختار اسلوبا معينا في ختام حلقة الذكر , المهم في الامر , ان لا يكون الختام بطريقة تبدد الشحنات , فتضيع كل الجهود المبذولة من اجلها .



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*