منزلة العرب في العالم محيرة:

75

1. لا يحترمهم أحد في الظاهر.
2. لكن جل المعبرين عن احتقارهم صراحة هم اكثر الناس خوفا منهم.
فكيف نجمع بين هذين الشعورين إزاء العرب؟ فلا يخاف الإنسان ممن يحتقر. ولا يحتقر الإنسان من يخاف. هذا الموقف المتناقض من العرب لا بد له من تفسير.
وحتى لا يشكك القاريء في الظاهرة فلأذكر من أقصد من القدامى الذين يعتقدون أن فرصتهم قد جاءت للانتقام ومثالهم الفرس والهنود.
ولاذكر من المحدثين يمين أوروبا وصهاينتها.
ولأذكر من العرب أنفسهم أو من المتعربين علمانييهم وملحديهم وخاصة متشيعيهم الذين يمثلون أحصنة طروادة في الأمة منذ الفتنة.
ولما كانت هذه الوقائع لا جدال فيها بمعنى أن ظاهرة احتقار العرب والخوف منهم في آن ثابتة فهل يمكن أن نحدد العامل المشترك الذي يعلل هذين الموقفين المتناقضين منهم فنطلب ما يمكن أن يكون للعرب فيه مسؤولية قديمهم قبل الإسلام وحديثهم بعده وبين القديم والحديث ما يرد منهما إلى الصورة التي فرضوها على الإسلام بسلوكهم وتخلف أنظمتهم؟
وقبل الشروع في البحث في هذا التعليل فلنقل إن الموقف من الأتراك لا يختلف كثيرا عن الموقف من العرب عندما يتعلق الأمر بالبحث عن التعليل في الإسلام وليس في ما قبله ولا في ما بعده. فمثلا أوروبا موقفها من الشعبين مفهوم بعدم نسيان يمينها علاقتهما بهم في نهايات التاريخ الوسيط وبدايات التاريخ الحديث.
وقد يقاس على موقف أوروبا منهما بـموقف فارس التي حالفت أوروبا عليهما في الصليبيات وفي الاسترداديات ممثلة بدولة الفاطميين في مصر وببقاياها في الشام ثم بدولة الصفويين خاصة لأن ملوكها بحلف مع البرتغال حاولوا السيطرة على أرض الخلافة وحالوا دونها بإلهائها عن مواصلة الفتح في أوروبا الحديثة.
ولا يزال سلوكهم الآن نفس السلوك. فهم حلفاء روسيا وأمريكا وحتى إسرائيل ليس ضد العرب وحدهم بل وكذلك ضد تركيا لأن كل ما يجري في العراق وسوريا هو حصار لها ما يجعلها محاطة من كل جانب بالأعداء الذين يريدون تقزيمها. والكل يهدف لاسترداد ما يعتبره قد كان ملكا له قبل الإسلام في اقليمها وخاصة روسيا واستنبول.
ومعلوم أن للجنرال دوجول الذي خط سياسة عربية كما خط سياسة صينية ضد الهيمنة الأمريكية وقاعدتها الإسرائيلية قد قال قولة شهيرة لا ينبس بها إلا من هو مثله في فهم الاسترايتيجية والتاريخ إذ حذر من حركة الحوت العربي في التاريخ قياسا للمستقبل على الماضي للحيرة في معجزات ما حققته دولة الأمويين.
ولا أقصد دولة الأمويين الشرقية فحسب بل وكذلك دولتهم الغربية. فالاولى أخرجت بيزنطة من كل ما كانت تملكه حول البحر المتوسط وأنهت كل إمكانية لاستئناف دولة فارس بعد أن أحاطت فتوحاتها بها من كل جانت رغم أنها ليست هي التي فتحت فارس بل كان ذلك قد تم قبل نشأتها. والثانية أيقظت أوروبا كلها وحضرتها بأن علمت قياداتها الروحية وشبابها.
وما ذكرت الجنرال دوجول مازحا ولا استدلالا بالأجنبي قيسا على من يعتقد أن شهادة الأجنبي أكثر وثاقة بل لأن شهادته صادرة عن منتسب إلى أكثر شعوب أوروبا حربا على دوري بني أمية وأكثرهم استفادة منهما. ونحن في تونس نعلم ذلك لأن آخر حروبها الصليبية حسمها الطاعون في منتصف القرن الثالث عشر للميلاد في بحيرة تونس الحالية.
وهم يفاخرون بأنهم هم الذين أوقفوا “الغزو” الإسلامي العربي الأمازيغي على مقربة من عاصمتهم باريس. وإلى الآن ما خرج صوت للحرب على الإسلام في أوروبا يكون أعلى من الصوت الفرنسي منذئذ إلى الصليبيات إلى الاسترداديات إلى الاستعماريات وإلى سايكس بيكو المشرقية ومثيلتها المغربية. وذلك دليل كاف.
فالمشرقية كانت مع روسيا (كمشروع لكن الثورة تخلت عن حصتها) وانجلترا والمغربية كانت مع اسبانيا وإيطاليا والبرتغال وبلجيكا في افريقيا المسلمة وحرمت ألمانيا من حصتها من أرض الإسلام التي تقاسموها وتلك علة حلفها مع تركيا قبل الحرب العالمية الأولى وبداية التحديث العميق في تركيا.
ومع ذلك فإني لم أورد شهادة دوجول بسبب هذا الوجه التاريخي رغم أهميته وأهمية اطلاع الشباب عليه حتى يسترد طموح الامة الكوني في الاستئناف الذي يكون على الاقل بوزن البداية. فلست مؤرخا لكني أفهم في فلسفة التاريخ ودوره في تحديد طموحات شباب أي أمة عظيمة. إنما أوردته لعلة أعمق: علة الخوف الذي يفيد الاحترام وهو هنا مضاعف:
فله صلة بامويي المشرق من حيث القوة المادية.
وبأمويي المغرب من حيث القوة الروحية: الاستراتيجية المضاعفة.
فالبعد الحضاري والعلمي يلغي اعتبار الفتح غزوا. ذلك أن تحرير الشعوب التي كانت تحت هيمنة بيزنطة من الشام إلى الأندلس لم يكن غزوا همجيا من جنس الغزو المغولي مثلا بل كان فتحا رساليا تصبح شعوب البلاد المفتوحة التي تسلم لها ما للمسلمين وعليهم ما عليهم ولا يرغم أحد على الإسلام.
وبذلك يلغي الوجه الثاني الوجه الأول فلا يستطيع أحد اعتبار الفتح غزوا بهذا المعنى. ومن هنا لم ير الغربيون بعد أن فهموا ذلك حرجا في الذهاب إلى مدارس الأندلس للتعلم كبيرهم وصغيرهم والشروع في النهضة التي هي فجر الحداثة عندهم حتى وإن ظل الخوف طاغيا. وكانت الكنيسة حينها كيمين الغرب اليوم تعاني من مرض الأسلاموفوبيا. كان خوف الكنيسة مضاعفا: خوف ذاتي لها وهو الخوف من الإسلام.
وتخويف للشعوب وهو الخوف من القوة العسكرية لما يصفونها بالغزو.
كان الامر تقريبا ما نسمعه اليوم من اليمين الغربي الحالي رغم أن الاسلام المتهم مختلف: فقد كان القوة العسكرية وأصبح القوة الديموغرافية. وكان الحضارة الإسلامية وصار القيم الإسلامية.
وحاصل الموقف الديجولي هو ما كان ممكنا للعرب في الماضي ما يزال ممكنا في المستقبل. ولذلك فأهم ما حكمه هـي لا توقظوا الحوت العربي. اتركوه نائما فهو إذا استيقظ سيزعزع العالم كما فعل أول مرة. وهو إذن لا يحتقر العرب بل يهابهم. والمهابة خوف مع تقدير. في حين أن الذين يحقرونهم لم يتعلموا من التاريخ ما تعلمه فأخبرهم به. وأنا واثق من أن عودة العرب للدور التاريخي آت لا ريب فيه. فهم الآن في حرب أهلية. وحصيلتها محسومة لأن الشعوب العربية والمستعربة فهمت الدرس وهي مستعدة للتحدي. وهم يعلمون أن احتقار من بينت للعرب له علتان:
الأولى هي حال العرب قبل الإسلام وحال العرب بعد تخليهم عنه ونكوصهم إلى حالهم الأولى عندما كان الفرس مثلا لا يولون لهم أدنى اعتبار بل وكانوا يعتبرونهم دون الكلاب منزلة. وفي الحقيقة كما قرأت الشعر الجاهلي حتى في المعلقات كما فهمت احتقار غيرهم لهم حينها.
فما أن أسمع “إذا بلغ الفطام لنا صبي” حتى أفهم أن من كانوا توابع لولاة فارس أو بيزنطة يستمدون مثل هذا التضخم المرضي في ذواتهم والمفاخرة بتغازيهم القبلي فيما بينهم لا أرى فيهم إلا ما أرى في عرب اليوم: كلهم يعيشون في محميات ومحتشدات الاستبداد ولا يزايد أحد عليهم في التفاخر والتنابز بالالقاب.
وما كان علة تحررهم ليصبحوا سادة العالم في أقل نصف قرن صار أي غر وغبي يتجرأ عليه ويحاربه ويتهمه بأصل الأرهاب والتخلف في حين أنهم لم يتخلفوا إلا بسبب تخليهم من قيمهم ورؤية دينهم للعالم والوجود ومنزلة الإنسان فيه تقديرا لها بالمابقة بين أقواله وأفعاله في حين أنهم لم يبق لهم إلا الأقوال.
والعلة الثانية هي رد فعل على المقارنة بين الحالتين: كيف لمن كانوا دون الكلاب قد انتفضوا بثورة كونية هي الإسلام فصاروا سادة العالم؟ فيصبح الاحتقار تحقيرا بمقتضى ردة الفعل لعل الاستنقاص يشفي غليل الناقم عليهم. وهذه حال الإيرانيين. فانتفاخهم إزاء العرب كله رد فعل على مركب نقص لأن هويتهم صارت رغما عنهم عربية.
فلا شيء من ماضيهم قبل الإسلام له وزن عدا هذا الشعور المرضي في احتقار العرب والزعم بأنهم كانوا أمة عظيمة لعظمة الآثار لكأن المصريين اليوم لهم عظمة الفراعنة بسبب الآثار.
لكن لغتهم وشعرهم وثقافتهم المعرفية والقيمية كلها من أثر الإسلام فيهم حتى وهم يحاربونه بكل جوارحهم. وهذا أيضا من معجزات الإسلام. فحتى أعتى أعدائه لا يستطيعون التخلص من سحره وانغراسه في كيان الإنسان في كل زمان ومكان.

وأخيرا فلا توجد حضارة بلغت من الموضوعية ما بلغته حضارة الإسلام. لن تجد كتابا في تاريخ الأديان منصفا لكل شعوب البشرية سواء عندما يقص حياة الافاضل بينهم أو عندما يعتبر العلاقة بين الله والإنسان كونية وليست خاصة بشعب دون شعب أو عندما يعتبر الإسلام دينا للبشر جميعا.
فلو اخذت كتاب اليهود (العهد القديم) وكتب المسيحية (الأناجيل) لما وجدت فيها اعترافا بأن للشعوب الأخرى أديانـا أو فضلاء بل هي كتب منطوية على الذات وكأنها أصحابها سرة العالم ولكأنه لا توجد شعوب أخرى لها فضلاء وانبياء وعظماء. في حين أن من شروط الإسلام الإيمان بكل الرسل في كل الأديان السابقة.
وأذكر مرة أن أحد الحمقى -وزير تربية صاحب تجفيف المنابع- ادعى بأن في القرآن كلاما في اليهود ينبغي استعمال مقص المراقبة إزاءه -وهي دعوة كررها رئيس فرنسا الحالي- فرددت عليه حينها بأنه أحمق لأن اليهود لو خيروهم بين بقاء ذلك ومحو كل ما قيل في فضلائهم لاختاروا الأول على الثاني لأنهم ليسوا أغبياء مثله.

وختاما فإن علة احتقار الغير للعرب الأكثر فاعلية هي احتقار العرب لذواتهم واعني عرب اليوم الذين من الله عليهم بكل شروط العظمة المادية والروحية لكنهم فضلوا النكوص إلى الجاهلية لحمق قيادتهم ونخبهم فجعلوا أقطارهم محميات لأعدائهم وأعداء الإسلام بسبب تنصيب الأعداء لأكثرهم حمقا وعمالة عليهم فسدة ومستبدين.
فهل كان ترومب يحتقر العرب لو لم ير أن الحكام العرب والنخب من طباليهم بصنفيهم التقليديين والحداثيين أكثر منه احتقارا لشعوبهم ومن ثم احتقارا لأنفسهم طلبا لحمايتهم منهم؟ فهو يعلم أنهم يعتبرون شعوبهم أكبر أعدائهم وأنهم مستعدون لتنازل عن كل شيء مقابل البقاء في وهم السلطان ولو على الخلاء. لذلك فلا عجب أن يحتقر غير العرب العرب.



اترك تعليقاً