جدلُ مستمر يصل إلى “القضاء”.. ما أسباب تراجع الدراما في العراق؟

62

رفل العزيز
منذ اليوم الأول لشهر رمضان، وبمجرّد أن عرضت الحلقات الأولى من الأعمال الرمضانية، بدأ الكثير من المشاهدين والمتابعين لهذه الأعمال بإبداء آرائهم في مواقع التواصيل الاجتماعي، وانتشر الجدال بين مؤيد ورافض لأسباب كثيرة، منهم من وجد أن بعض المشاهد خادشة للحياء وغير مناسبة للعائلة العراقية المحافظة، ومنهم من وجد أن عددًا من الأعمال تم نسخها من أعمال عربية أخرى مثل المسلسل الكوميدي “حامض حلو”، أما البعض الآخر فقد رأى أن بعض الممثلين هذا العام حافظوا عل الدور الذي يلعبونه في كل موسم، ولم يكن هناك تجديد في أدوارهم أو أداؤهم مثل دور الفنان قاسم الملاك في مسلسل “العرضحالجي”.

لا يزال الجدل مستمرًا فيما يخص الدراما العراقية التي ظهرت في رمضان، حيث تحوّل بعضه إلى اتهامات بـ”السرقة” ووصل إلى القضاء
ولأن هذا العام شهد عودة الحياة للدراما العراقية بعد توقفها لما يقارب من خمس سنوات وأكثر، فقد ظهر جدال كبير وصل في بعض الحالات إلى “القضاء”، فيما بقي مستمرًا إلى الآن، وقبل عدة أيام تم تكريم عدد من الفنانين وعدد من الأعمال التي شاركت في السباق الرمضاني، والتي تم عرضها بمختلف القنوات، ومن الجدير بالذكر أن مسلسل “هوى بغداد”، والتي كانت من بطولة الفنانة العراقية التونسية زهراء حبيب بن ميم والممثل التركي اسر ويست، حصلت على العدد الأكبر من الجوائز كأفضل ممثلين شباب وأفضل سيناريو بالإضافة إلى الإخراج والتوزيع.

بناءً على هذا الجدل الذي سببته الأعمال الرمضانية لهذا العام، فقد أقامت نقابة الفنانيين العراقيين جلسة بعنوان (دراما رمضان تحت مجهر النقد الفني) والتي تحدّث فيها عدد من النقاد حول أبرز الأخطاء التي لاحظوها في أعمال هذا الموسم، مشددين على ضرورة عدم تكرارها في المواسهم القادمة، وبحضور نقيب الفنانيين العراقيين وعدد من الفنانيين الذين تحدثوا عن أغلب الأعمال التي تم عرضها في شهر رمضان من ناحية السيناريو وأداء الممثلين والتصوير والموسيقى التصويرية، وحتى الأزياء.


مشهد من مسلسل العرضحالجي

، يقول الناقد الدكتور علي حنون، إنه “في هذا الموسم الرمضاني ظهرت حالة السرقات في عدد من الأعمال وأخذت حيزًا كبيرًا في مواقع التواصل الاجتماعي، ووصلت إلى القضاء أيضًا، مشيرًا إلى أن “أبرز هذه الأعمال هو مسلسل الفندق الذي تم عرضه على قناة الشرقية من تأليف حامد المالكي وإخراج حسن حسني وبطولة عدد كبير من الفنانين العراقيين”.

مسلسل “الفندق” أثار في الحلقات الأولى له جدل كبير، نظرًا للمشاهد التي تم عرضها فيه والتي اعتبرها البعض بأنها “مشاهد جريئة” وجديدة على الدراما العراقية، فضلًا عن مناقشته لعدد من القضايا مثل “تجارة المخدرات وبيوت الدعارة”، وغيرها، وبعد عدة حلقات أثير جدل أكبر خول الفندق، بعد أن أعلنت الروائية العراقية لمياء رشيد على حسابها الشخصي في “فيسبوك” عن سرقة أحداث روايتها “عناكب الآفو” من قبل المالكي بعد أن أهدتها له قبل عام ليحولها هو إلى مسلسل الفندق دون أخذ إذن أو شراء حقوق، مشيرة إلى أنها أقامت دعوى قضائية ضده، وسرعان ما نشر الكاتب محمد محسن محمد، والذي شارك بدوره في كتابة رواية “عناكب الآفو” تضامنه مع لمياء الرشيد، وإن روايتهما تم سرقتها.
أيام مضت ومواقع التواصل الاجتماعي انشغلت في خبر سرقة المسلسل، والمالكي لم يعلق على الموضوع إلا بعد أيام، حيث أعلن هو أيضًا عبر حسابه الشخصي عن إقامة دعوى قضائية ضد الكاتبين لعناكب الآفو، وأنه لم يقرأ هذه الرواية ولم تهدى له.

أجرى حوارًا مع السيناريست حامد المالكي لمعرفة آخر التطورات التي وصلت إليها قضية “اتهامه بالسرقة”، حيث قال إنه “لا يستطيع التحدث حول هذا الموضوع في الوقت الحالي بطلب من محاميه، مؤكدًا أن “الدعوة ما زالت قائمة حتى الآن”.

أشار المالكي إلى مسلسل “الفندق”، بالقول، إنه “حاول بهذه المسلسل كشف المستور عنه بحجة “العيب” في المجتمع العراقي، وما يحدث داخل مجتمعنا يحدث في أغلب مجتمعات العالم، مستدركًا “لكن كل الفنانين في تلك المجتمعات فضحوا ما يحصل في الليالي القاسية التي يكون ضحيتها الشباب والشابات”.

أضاف المالكي “قلت لنفسي لماذا لا يمارس الفن وتحديدًا الدراما هذه المسؤلية وكشف المستور عنه في المجتمع”، لافتًا إلى أن “المجتمع العراقي يتعرّض إلى خطورة تأتي من عصابات ومافيات تنظم عمل جريمة الاتجار بالبشر عن طريق استخدامهم كمتسولين أو في الدعارة أو في مراكز المساج المشبوهة التي تملأ بغداد، وأيضًا في تجارة المخدرات، وتحديدًا النوع الذي يدعى “كرستال”.


مشهد من مسلسل الفندق

أوضح أن “هذه الأسباب هي التي أدّت إلى مهاجمة المسلسل بهذا الشكل الشنيع والمنظم وممنهج من قبل جيوش إلكترونية معروفة “بالنسبة لي على الأقل”، وهذا الهجوم هو دليل على أن “الفندق” هز عروش المافيات، خاصة وأنه كشف عن عشرين بالمئة مما يحدث في المجتمع العراقي، منه ما هو مسكوت عنه وما هو مخجل”، مبينًا أن “ما قدمته في الفندق ليس فقط لغرض فضح هذا الخراب، وإنما أيضًا لتنبيه السلطات الحاكة والشرطة الداخلية لمكافحة هذه العصابات وكذلك تنبيه العائلة العراقية لكي يكونوا أكثر انتباهًا على أبنائهم من الانجراف إلى هذا الطريق المظلم عن طريق السوشيال ميديا تحديدًا وجر الفتيات إلى الدعارة عن طريق فيسبوك”.

لفت المالكي إلى أن “هذه كانت رسالة الفندق وأنه تحمّل كل الألم والهجوم بقلب شجاع وأنه يتوقع المزيد من الهجوم، مستدركًا “ولكن هذه هي وظيفة الفنان لأن الفنان لا يقدم الحلول وإنما يثير الأسئلة، وأنا اثرتها في الفندق، مثل: لماذا يحصل في المجتمع العراقي ما يحصل؟ ومادور الجهات الرقابية والتربوية والتعليمية والأمنية؟”.

shareالمجتمع العراقي يتعرّض إلى خطورة تأتي من عصابات ومافيات تنظم عمل جريمة الاتجار بالبشر عن طريق استخدامهم كمتسولين أو في الدعارة أو في مراكز المساج المشبوهة التي تملأ بغداد
بيّن المالكي أن هذه “الظواهر كانت موجودة قبل 2003 لكن كان هناك نوع من الردع وقوانين نافذة تعاقب بالاعدام على من يتاجر بالمخدرات، إما الآن فيسجن خمسة عشر عامًا فقط ويخرج، لافتًا إلى أن “أسئلة الفندق ما زالت تبحث عن أجوبة ليست لدي وإنما يملكها المختصون”.

فيما أشار الدكتور علي حنون إلى أن “في هذا الموسم كان هنالك اهتمام بشكل الدراما من ناحية تنسيق الملابس والألوان والإضاءة تكاد توازي الصورة في الدراما العربية، وإن هناك عدد من الأعمال كانت تتميز بقصص جميلة، مستدركًا “لكن السرد لم يكن مميزًا مثل هذه القصص وهذا يعتبر خطأ وقع فيه عدد من الكتاب، لأن السرد أهم من الحكاية، فليس المهم ما تقول ولكن المهم كيف تقول”.

في السياق، عبر عدد من الفنانين عن رأيهم في الأعمال الرمضانية لهذا الموسم، حيث قال الدكتور رياض شهيد الباهلي لـ”ألترا عراق”, إن “هناك مسرة كبيرة أن تكون جلسة لمناقشة حصاد دراما رمضان، وهل هي ترقى إلى مستوى الفن العراقي بعد الغياب الذي طال كثيرًا، مستدركًا “لكن لدي ثلاث ملاحظات مهمة، أولها الاستنساخ وهو موضوع كان له حضور كبير ساحة المشاهدة هذا الموسم، وهو مالا ينسجم مع طبيعة الدراما العراقية، وطبيعة توجه جميع الفنانين العراقيين والمؤلف هو المسؤول عن ذلك”.

أشار الباهلي إلى أن “المجتمع العراقي غني بالكثير من المواضيع التي تستحق أن يكتب عنها وتكون مادة دسمة لعرضها ولا نحتاج إلى الاستنساخ، مبينًا أن “النقطة الثانية هي موضوع التمثيل، فقد افرزت دراما رمضان ممثلين كبار حبسوا أنفسهم في شخصيات محدّدة مكرّرة، وربما نجحوا بها في السابق، وكان يجب عليهم أن يجدّدوا، إلا أنهم ظلوا أسرى لهذا الدور”.

لفت الباهلي إلى أن “النقطة الثالثة، هي احترام التخصّص فمن غير المعقول أن نفس الشخص يكتب السيناريو ويخرج ويمثل، فهذا برأيي سبب أساسي في فشل الكثير من الأعمال الدرامية، داعيًا إلى “احترام التخصصات وأن يعمل كلا منا في تخصصه”.

أما الفنّانة زهرة الربيعي، ذكرت أن “أبرز الأعمال التي قامت بمتابعتها هي مسلسل الفندق وهي لا تخلو من الأخطاء، إلا أن هذا أمر طبيعي ووارد في أبرز الأعمال وأكثرها نجاحًا, لافتة إلى أن “مسلسل شلع قلع طرح مواضيع عدة بأسلوب واقعي حقيقي ويستهوي المشاهد العراقي، كما وتعتبر هذا المسلسل والتي من بطولة الفنان أياد راضي هي الأقل نقدًا بين دراما رمضان”.


مشهد من مسلسل شلع قلع (ألترا عراق)

في الأثناء، قال الفنان خضير أبو العباس إن “جميع أعمال هذه السنة كانت متشابهة إلى حدٍ ما، كما أنها أتت بوقت قصير، ولم يتم التحضير لها بتأني، موضحًا أن “الفنان العراقي أصبح يقتات على التمثيل، أي أنه أصبح مصدر رزقه الأساسي وأن المعيشة بالنسبة للفنان صعبة جدًا، ومن الطبيعي جدًا حاليًا أن يقبل الممثل دورًا غير مقتنع به لمجرد العمل والمقابل المادي فقط”، مشيرًا إلى أن “الأعمال أصبحت تقدم للفنانين ليس على أساس الخبرة أو القدرة على أداء الدور المطلوب بقدر ما هي علاقات شخصية، فالكل يأتي بالشخص المقرّب له واقعيًا”.

في جلسة “دراما رمضان تحت مجهر النقد الفني”، طلب أحد الفنانين من “ألترا عراق” عدم ذكر اسمه، قائلًا، إن “جميع الأعمال الرمضانية التي قدمت هذا الموسم كانت دون المستوى وعلى مختلف المستويات من أداء ممثلين إلى سيناريو إلى اخراج، وهذا يعود إلى سببين؛ الأول هو أنهم كانوا محددين بوقت قصير جدًا، فلم يكن لديهم الوقت الكافي للكتابة أو التمثيل، فكانت عدد من الأعمال يتم تمثيلها وتنتج في اليوم نفسه، وبالتالي هذا ما اثر سلبًا على مختلف الأعمال، مبينًا أن “السبب الثاني هو عدم وجود استمرارية في الدراما العراقية لأن الاستمرارية تخلق النجاح والإبداع، إلا أن الأعمال العراقية تغيب لسنوات عدّة ثم تعود وتختفي بعدها أيضًا وهكذا، مشيرًا إلى أنها “كلّما تعود كأنها عادت من جديد من نقطة الصفر وليس استكمالًا لما تم تقديمه”.

shareالأعمال أصبحت تقدم للفنانين ليس على أساس الخبرة أو القدرة على أداء الدور المطلوب بقدر ما هي علاقات شخصية فالكل يأتي بالشخص المقرب له واقعيًا
هناك عدة أعمال كانت أغلب آراء النقاد متشابهة حولها، وأهمها هي مسلسل “هوى بغداد”، والذي لاقى نجاحًا كبيرًا على مواقع التواصل الاجتماعي، فقد رأى النقاد أن “هذا المسلسل عرض بغداد بصورة جميلة لم نراها من قبل، إلا أنه افتقر إلى التنسيق في الأزياء، ففي عدد من الحلقات كانت أزياء الأبطال لا تناسب شخصياتهم”.


مشهد من مسلسل هوى بغداد

وعن مسلسل أيام الإجازة والذي تم عرضه على قناة العراقية، والذي يعتبر الجزء الثاني بعد الجزء الأول الذي تم عرضه قبل 40 سنة، فقد اشار النقاد في جلسة “دراما رمضان تحت مجهر النقد الفني”، إلى أن “قضية الأجزاء قضية مهمة، فعندما ينجز عمل ويحقق نجاحًا كبيرًا، فيجب أن تحقق الأجزاء التي تليه نجاحًا بقدر الذي حققه الجزء الأول، وهذه قلة ما يحدث، كما أن أيام الإجازة لم تستطع أن تبني موقف كوميدي واحد وإنما هي مجرد مواقف يومية”.


مسلسل أيام الإجازة

أما مسلسل “العرضحالجي” الذي تم بثه على شاشة الشرقية والذي تم نقده بشكل كبير من قبل الكثير من المختصين والمشاهدين على مواقع التواصل الاجتماعي، متهمين الفنان قاسم الملاك بأنه “يكرّر شخصيته في جميع الأعمال التي يؤديها ولا يجدّد في أدواره”، فيما طالب عدد من المختصين بأن تكون قناة العراقية في السنوات القادمة أكثر حضورًا بعد التقشف الذي شاهده الناس في أعمالها لهذه السنة، لكونها قناة الدولة الرسمية والتي تمتلك جميع المقوّمات التي تمكنها من إقامة أعمال متنوّعة وناجحة، إلا أنها اكتفت بأعمال قليلة جدًا، ولم تجدّد فيها، فكانت مشابهة للأعوام السابقة.



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*