‎‎ الامام‎ الرضا.. دليل السائرين في‎ طريق‎ التقـوى‎ والعبادة

44

* جميل ظاهري

المتتبع لتاريخ‎ أهل‎ البيـت‎ النبوة والامامة عليهم السلام، وكيفية‎ بروزهم‎‎‎ وظهـور مقـامهـم الـذي‎ لـم يستطع‎ أن‎‎‎ يتجاهله‎ أحد من المسلمين, يـدرك‎ بشكل‎ واضح‎ وجلي‎ ان‎ هناك‎ لطف الهي وحكمة‎ خفية‎‎‎ في‎ تكوين‎ هذه الـشخـصيـات‎ العـظيمـة وتشخيصها دون‎ غيرها رغم‎ الـظروف‎ الصـعبـة‎ التي‎ تحيط بهم‎ .
حياتهم‎ مدرسة‎‎‎ وعبرة وموعـظة تـفيـض‎ بالعطاء وتشع‎ بالخير والإستقامة‎ وتـوحـي‎ بالكمال‎ والهداية الربانية وسلوكهم‎ يجسـد مبـادي‎ء الرسالة السماوية السمحاء‎‎ حياة وعملاً، حيث‎‎ الواحـد مـنهـم‎ يهدي الناس‎‎ بسلوكـه‎‎‎ وعـملـه كمـا يهـدي بقـولـه وتوجيهه‎, والامام‎ علي‎‎ بن‎ موسي الـرضـا عليه السلام هـو سليل‎‎ النبوة‎ ووارث بيـت العصمة والطهارة وعلـم‎ مـن‎ أعلام‎ الهدى‎ والصلاح عليهم السلام أجمعين،‎ فكانت‎ حياته‎ منـاراً للمهتدين‎‎ ودليلاً للسائرين في‎ طريق‎ التقـوى‎ والعبادة‎ ومثلاً أعلى‎‎ فـي الأخـلاق‎ والـسلـوك‎ القويم‎ .
ورد عن‎ الامام‎‎ موسى الكاظم عـليـه‎ السلام‎‎ انه‎‎ قال‎ لبنيه: هذا أخوكم علـي‎ بـن‎ موسي‎ عالم‎‎ آل‎ محمد فأسألـوه‎ عـن‎ أديـانكـم وأحفظوا مايقول‎ لكم‎‎ (بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ٤٩ – الصفحة ١٠٠)، حيث نعيش‎ هـذه‎ الايـام في‎ رحاب‎ المولد المبارك والميمون لعالم‎‎ آل‎ محمد عليه‎ وعليهم اجمعين‎ السلام‎, الذي‎ عرف‎ بغريب‎ طوس‎ حيث ما تعـنيـه‎ الغربة‎‎ لدى‎ الامام‎ الرضا (ع) انها غـربة النفس‎ عن‎ الأطهار والأخيار؛ حيث كانت‎ المدينة‎‎‎ المنورة على‎ موعد مع‎ أنوار ونفحات‎ ربـانيـة‎ في‎ الحادي‎‎ عشـر مـن‎ ذي الـقعـدة‎ عـام ‎ 148 للهجرة‎‎ الشريفة .
عاش‎ الامام‎‎ الرضا (ع) في‎‎‎ القرن‎ الثاني الهجري‎‎ وعاصر من‎ خلفـاء بنـي‎ الـعبـاس‎ الـمهـدي‎ والهادي‎ والرشيد والأميـن‎‎ والمـأمـون، حيث أتسعـت‎ الحـركـة العلمية‎ ونشط البحث والتأليـف‎ والتـدويـن‎ وتصنيف‎‎ العلوم‎ والمعارف ونشـأت‎ الـمـدارس‎ والتيارات‎‎ الفلسفية‎‎‎ والفكرية وبدأت حركـة الترجمة‎ والنقل‎ من‎ اللغات‎ والشعوب‎ والأمـم‎ المختلفة‎ وكانت‎‎ من‎ أغنى‎ فتـرات الـفكـر والثقافة‎‎ الاسلامية, حيث شهد العلماء والحكمـاء بـسعـة‎ علمه (ع)‎‎‎ وحاطته بمحتوى‎ كتـاب‎ اللـه المـجيـد وأسراره‎‎‎ ومعارفه وشمول‎ معـرفتـه لكـليـات‎ الشريعة‎ وجزئياتها. وأزدحمت‎‎ المدارس‎‎ وحلقات الـدرس بالأساتذة والطلاب‎ يتناولون‎ مختلف‎ العـلـوم‎ ويخوضون‎ في‎‎ شتى المعارف‎ .
كان‎ الامام‎‎ علي بن موسى الرضا عليه‎ السلام هو مفزع العلماء وملجأ أهل‎ الفكر والمعرفة‎ يناظر على‎ التفسير ويحاور أهل‎ الفلسفة والـكـلام‎ ويرد على‎ الزنادقـة‎‎‎ والغـلاة ويـوجـه أهـل‎ الفقه‎‎ والتشريع‎ ويثبـت‎ قـواعـد الشـريعـة وأصول‎ التوحيد وينشر أحكام‎ الدين‎ المحمدي‎ الأصيل‎ فكان‎ محور التوجيه‎ ومـركـز الإشعـاع ومنطلق‎ الاصالة‎ والنقاء.
قضية‎‎‎ الامامـة والـسيـاسـة فـي‎ الاسلام‎ تشكل أخـطر قضـايـا الـحيـاة‎‎ الانسـانيـة, فالاسلام‎‎‎ نظام حكم ومنهج‎ سيـاسـة‎‎, وقيـادة أمة‎‎‎‎ وقانون‎ حياة وطريقة عبادة وهو لا يفصـل‎ بين‎‎ السياسة‎‎ والدين والعبادة أبداً. فكان‎‎ إهتمام‎‎ الاسـلام والمـسلـميـن كـبيـراً فـي‎ شؤون‎ الامـامـة‎‎ وولايـة أمـر المسلمين‎ وقيادتهم‎ السياسية‎‎ والعقائدية .
دراسة‎‎ الاوضاع السيـاسيـة والاجتماعية‎‎ لمرحلة الحكم‎ العبـاسـي‎‎ التـي أحاطت‎ بالامام‎‎ الرضا وأبيـه‎‎ الكـاظم وجـده الصادق‎ عليهم‎‎ السلام تجسد أمامنا المـحنة‎ والمشكلة‎‎ السياسية التي‎ عاناها أهل‎ البيت‎ (ع) في‎‎ ظل‎ الـحكـم‎ الـعبـاسـي عـدا فتـرة‎ الإنفراج‎ النسبي‎‎ التي عاشها الامام‎ أبا الحسن (ع) ايام‎ المأمون‎ والتي‎ جاءت‎ لضغوط الـرأي‎ العام‎ وتوتر الاوضاع الـسيـاسيـة‎‎ وكثـمـرة الإضطرابات‎‎‎ والصراعات والثورات .
أدرك‎ المأمون‎ منزلة‎ الامام‎ الرضـا (ع)‎ ودوره في‎ نشر العقيدة ومقارعة الطغاة وكشف‎ مخططاتهم‎‎ وسياساتهم المعادية للاسلام‎ ولأهل‎ البيت‎ (ع)، كما كان‎‎‎ في‎ تصور المأمون ان المخـرج‎ من‎ الأزمة‎‎‎ السيـاسية التـي‎ أحـاطت بـه هـو مخاطبه‎‎‎ الامام‎ أبا الحسن (ع) قبول‎ ولاية العهد والمشاركة في‎ شؤون‎‎ إدارة‎‎ الدولة ليستطيع‎ الطاغية العباسي‎ ضم‎ قوى‎ المعارضة‎‎ وجمـع‎ جنـاحـي‎ القـوة العلوية‎‎‎ والعباسية بيده .
دعا المأمون‎ الامام‎ الرضا (ع) وعـرض‎ عليه‎‎ قبول‎ ولايه العهد فامتنـع‎ الامـام‎ (ع)، فرد‎ المأمون‎ بتهديـد بقوله: ان‎ عمر جعل الشورى‎ في‎ سته احدهـم‎ جدك‎ (يقصد الامام‎‎ علي‎ عليه‎ السلام) وقـال‎ من‎‎ خالف‎ فأضربوا عنقه‎, ولابد من قبول‎ ذلـك‎, فاجابه‎ الامام‎ الى‎‎ ذلك‎ مكـرهـاً عـلـى أن‎ لايأمر ولاينهي‎‎ ولايولي ولايعزل‎ ولايتكلم‎ بيـن‎ أثنين‎ بالحكم‎‎ ولايغير شيئا هو قـائم عـلـى‎ أصوله‎؛ حيث لم تخف عن الامام أبا الحسن (ع) الدوافع‎ الشيطانية‎‎ للطاغية العباسي‎ في‎ إستقـدامـه الى‎ خراسان‎ كما لم‎ تخـف‎ عـليـه‎ متـطلبـات‎ الظرف‎ الذي‎ كان‎ يعيشه‎‎‎ صلوات‎ اللـه عـليـه ولهذا أَكره‎‎ على‎ قبول‎ ولاية العهد .
أغتنم‎‎ الامام علي بن موسى الرضا (ع) هـذا الـظرف‎ الذهبي‎‎ الذي‎ جاءت‎ بـه‎‎ ولايـة الـعهـد علـى الوجه‎ الأكمل‎ بهدف‎ نشر معالم‎‎ الاسلام المحمدي الأصيل‎ وتثبيت‎‎ دعائم‎ أطروحة‎ مـذهـب‎ أهـل‎ الـبيـت عليهم‎‎ السلام متحدياً كل‎ الخطوط الـفكـريـة‎ والمذهبية‎‎ المنحرفة آنذاك‎ .
بعد فترة قصيرة‎ أدرك‎ المأمون‎ عمـق‎ الخـطر الذي‎ ‎‎ يحيق‎ به‎‎ وبحكومته من خلال‎ تواجـد الامام‎ (ع) في‎ مركز حكمه‎, كما لاحظ نمو وشموخ‎ خط الولاء لأهل‎ الـبيـت‎ علـيهـم‎ السلام‎, وأدرك‎ أن جميع‎ أسلحته‎ فشلت‎ لتحديد الامام‎ الـرضـا عليه‎ السلام‎ وظهرت‎ النتائج‎ على‎ خلاف‎ ما كان‎ ينتظر ويؤمل‎‎ بل لاحظ ان‎ الامام‎ (ع) يزداد رفعـه‎ بين‎ الناس‎ وكانت‎ قواعده‎‎ المواليـة تـزداد إتساعاً وعدداً.
وفهم‎‎ المأمون‎ بـأنـه‎ لـم يـفلـح‎ فـي‎ إنتزاع الإعتراف‎ بشرعية‎‎ حكمه من‎ الامام‎ (ع) كما لم‎‎ يفلح‎ في‎ إخضاعه لإرادته‎‎ ومطالـبـه فهو بالاضافة‎‎ الى‎ ذلك‎ لايستطيع‎ تنـحية مـن‎ ولاية‎ العهد لأن‎ الأمور سوف‎ تزداد تـعقـيـداً ولن‎‎ يسكت‎ العلويون على‎ ذلك‎. ولم يجد المأمون بداً بحسب‎ مقاييسه‎‎ الباطلة من‎ القضاء على‎ شخص‎ الامام‎‎ (ع) وشخصيته وإغتياله‎‎‎ بطريقه خبيثـة بـدس‎ السـم اليه‎ ليمضي‎ الامام (ع)‎ شهيداً صابراً محتسباً.
اسفرت‎ مدرسة‎‎ الامام‎‎ الرضا عليه السلام العلمية‎‎ عن‎‎ تخريج‎ كـوكبـة مـن العـلمـاء الذين‎‎ كان عددهم‎ يناهز الثلاثمائة‎. والذي‎ يراجع‎ مسند الامام‎ الرضا عـليـه‎ السلام‎ ويلاحظ النصوص‎ التي‎ وصلتنا عنه‎ يعرف‎ حجم‎ نشاطه‎ العلمي‎ ويلمس‎ عمق‎ المستوى‎‎ الذي بلغته‎‎‎‎ مدرسة الامام‎ الفكرية وما أبدعه هذا الامام‎‎ العظيم من‎ قواعد وأساليب‎ لتـحقـيـق‎ أهداف‎ مدرسة‎‎ أهل‎‎ البيت‎ للوصول الى‎ القمة التي‎ كانت‎‎ تستهدفهـا حـركة‎ أهـل‎ الـبيـت الرسالة‎‎ في‎‎ مجالي العلم‎ والسياسة معا .
فسلام‎‎‎‎ عليه‎ يوم ولد ويوم أستشهد ويوم يبعث حياً

jameelzaheri@gmail.com



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*