جمهورية عبد الكريم قاسم تخلو من معلم يحمل اسمه

496

د. حميد الكفائي
إعلامي ومحلل سياسي
ولدت بعد ثورة 14 تموز بعام، ولم يكن أفراد عائلتي من أتباع الزعيم عبد الكريم قاسم أو مؤيديه، إذ كان والدي عضوا في الحزب الوطني الديمقراطي وأتذكر أدبيات الحزب التي كان يحتفظ بها في صندوق صغير في غرفته. كما أتذكر أحاديثه عن الانشقاق في الحزب والخلاف بين كامل الجادرجي ومحمد حديد ولا أتذكر إن كان مع محمد حديد الذي شارك في حكومة الزعيم قاسم كوزير للمالية أم بقي مع الزعامة التقليدية لكامل الجادرجي، لكنه كان يشيد بالاثنين.

وكنت في طفولتي وشبابي استمع إلى (إعلام) إذاعة بغداد وصوت العرب من القاهرة وكانت الأخبار والتعليقات كلها تقدح بالزعيم قاسم وتصوره دكتاتورا وفرديا ومتهورا ومحبا للسلطة. لم اقتنع بها ولم أنكرها كليا فليس هناك ما يقابل هذا الحملة المسعورة على الزعيم سوى عمي جهاد (أبو مطشر) الذي كان يحب عبد الكريم قاسم حبا جما. وكان كلما زارنا يحدثنا عن فضائل عبد الكريم قاسم. كان عمي أميا لكنه كان ذكيا إذ كان يجيد مهنا معقدة ودقيقة منها النجارة والبناء وإصلاح الآلات والأدوات وغير ذلك من المهارات التي لا يجيدها كثيرون. وكان دائما يحصل على وظيفة جيدة في الشركات العراقية والأجنبية بسبب مهارته وقدراته الفنية والعضلية وشخصيته الإنسانية المحببة.

كنت احب عمي (أبو مطشر) كثيرا فقد كان بشوشا وكريما ويهتم كثيرا للأطفال ويعاملهم معاملة جيدة ويغدق عليهم بالهدايا والحلويات. وقد دفعني حبي لعمي أبي مطشر أن أبحث في حياة الزعيم قاسم، وأسباب اهتمام هذا العامل الماهر المنصف الودود بهذا الزعيم علما أنه ليس سياسيا، فبدأت أقرأ كل ما تيسر لي من كتب ومقالات خصوصا بعد انتقالي إلى بريطانيا. قرأت لنقّاده أكثر مما قرأت لأتباعه ومحبيه وفي النهاية اقتنعت بأن عمي جهاد كان على حق.

كتبت مقالا ينصف الزعيم قاسم في جريدة العراق الحر لصاحبها المرحوم سعد صالح جبر، وقد نشر المقال في ذكرى 14 تموز قبل ربع قرن تقريبا، لكنني ذكرت إلى جانب محاسنه بعض ما اعتبرته أخطاء ارتكبها بحسن نية ومنها أنه لم يعِد بإجراء انتخابات وتسليم السلطة للمدنيين ولم يرضِ كثيرين من زملائه في الثورة الذين انقلبوا عليه مثل عبد الوهاب الشواف ورفعت الحاج سري وناظم الطبقجلي وعبد السلام عارف. في تلك الفترة لم تكن هناك وسائل تواصل غير التلفونات وقد تسلمت مكالمات كثيرة ذلك اليوم من أصدقاء كانوا يلومنني على انتقادي للزعيم وبعضهم ليسوا يساريين بل عراقيون عاديون وكنت ارد عليهم قائلا إنهم تناسوا الفضائل الكثيرة التي ذكرتها عن الرجل في المقال، لكن حبهم لقاسم جعلهم يضيقون ذرعا بأي نقد له. لقد أدركت حينها حجم الحب الذي يكنه العراقيون خصوصا في الجنوب لهذا الرجل والسبب هو أنه كان منصفا ساوى بين المواطنين وحاول بناء دولة عصرية مبنية على قيم المواطنة والإنصاف والعدالة.

لقد كان عبد الكريم قاسم زعيما وطنيا بحق، أحب العراق وأحب الفقراء وخدمهم خلال سني حكمه القصيرة كما لم يخدمهم زعيم قبله أو بعده. وأعتقد بأنه لو تيسر له البقاء عشر سنوات لاختلف العراق جذريا عما هو عليه الآن، لكن قوى الشر والظلام والأنانية والتعصب تكالبت عليه خصوصا الإقطاع والقوى الرجعية اليمينية الظلامية الفاشية بقيادة حزب البعث التي تضررت من الثورة، أو أنها على الأقل ضاقت ذرعا بمكاسبها لأنها ساوت الفقير بالغني والمرأة بالرجل في الحقوق والواجبات وانتشرت المدارس في العراق وتوسع بناء المساكن خصوصا للفقراء والعمال والضباط والمعلمين والمهندسين والمراتب في الشرطة والجيش. شاهدت مؤخرا مقابلة مطولة بثلاث حلقات أجراها الدكتور حميد عبد الله مع مرافق الزعيم اللواء شاكر العزاوي وقد سرد لنا العزاوي قصصا عجيبة عن تواضع الزعيم قاسم وتسامحه وحرصه على خدمة الناس.

نعم حصلت تجاوزات في عهده وأولها مقتل أفراد العائلة المالكة ومقتل وسحل نوري السعيد لكن الزعيم غير مسؤول عنها ومن عرف الزعيم وإنسانيته وسمو أخلاقه لا يمكنه أن يصدق بأنه كان قد أقر قتل النساء والأطفال في قصر الرحاب، وقد هرع بنفسه إلى مستشفى المجيدية مع الملك الجريح لكن الأطباء لم يستطيعوا إنقاذه بسبب نزيف دمه من الجروح التي أصيب بها، وقد بكى عليه الزعيم حسب رواية مرافقه اللواء شاكر العزاوي في مقابلة تلفزيونية مع حامد السيد، وقال إنه شاب مظلوم ولم يكن مسؤولا عن تجاوزات الحكم الملكي وما كان يجب أن يتعرض لأي أذى. كان يجب معاقبة الضابط الذي أطلق الرصاص على العائلة المالكة (ويعتقد بأنه عبد الستار العبوسي) لكن هذا لم يحصل للأسف وانتهى به الأمر منتحرا بسبب شعوره بالذنب على ما يبدو. لا يمكن أي شخص أو جيش أو حكومة أن تسيطر على الأوضاع كليا عند اندلاع ثورة شعبية في أي بلد، وقد حصلت تجاوزات أثناء الثورة الفرنسية والثورة الإيرانية أكثر بكثير مما حصل في الثورة العراقية. لقد كانت ثورة 14 تموز ثورة شعبية بحق قادها الجيش على الظلم الواقع على الناس خصوصا الفلاحين والنساء والفقراء بشكل عام. والدليل على أن ثورة 14 تموزهي ثورة شعبية هو التصاق الناس بالثورة منذ اليوم الأول لها ومهاجمتها رموز النظام الملكي سواء الأشخاص مثل نوري السعيد وكبار الإقطاعيين أو مؤسسات القمع ورموزه.

إنجازات الزعيم قاسم كثيرة وأهمها القضاء على الإقطاع وإلغاء قانون دعاوى العشائر وإصدار قوانين منصفة كثيرة مثل قانون الأحوال الشخصية وقانون الإصلاح الزراعي وقانون مجانية التعليم وقانون تأميم النفط وغيرها. سيبقى عهد قاسم عهدا وطنيا بامتياز وسيبقى قاسم الزعيم العراقي الأوحد الذي أحبه الفقراء من كل الطوائف والقوميات والمناطق، وقد قُتل في رمضان في مبنى إذاعة بغداد دون محاكمة وكان صائما ولا أحد يعرف مذهبه أو عشيرته، فقد كان يصلي وحيدا في غرفته كي لا يعرف الناس إن كان سنيا أم شيعيا، واكتفى باسمه الثنائي، ولم يستعن بأي عشيرة أو عائلة علما أن أقاربه كانوا متنفذين في الحكم الملكي ومنهم محمد علي جواد، قائد القوة الجوية، لكن احساسه الوطني دفعه للاهتمام بالفقراء وهم غالبية الشعب العراقي.

أراد قاسم أن يبني دولة عصرية قوية متماسكة عادلة ومنصفة لكل أبنائها، لكنه ربما سبق عصره بقرن من الزمن فالعراق لم يكن مهيئا لمثل هذه القفزة التقدمية النوعية. فالانقسامات الطائفية والقومية عميقة في المجتمع وانتشار الأمية والجهل جعل الناس أسرى لمزايدات ومكائد الدجالين والنفعيين الذين تمكنوا من تقسيم المجتمع طائفيا وقوميا ثم السيطرة عليه.

بعد مرور 61 عاما على تأسيس الجمهورية، لا يوجد معلم واحد في بغداد باسم مؤسس الجمهورية الزعيم عبد الكريم قاسم، ولا يوجد له تمثال سوى التمثال الذي أنشئ أخيرا في مبنى شبكة الإعلام العراقي. عبد الكريم قاسم يستحق التخليد ويا حبذا لو سمي مطار بغداد باسمه كما جرت عادة الكثير من الدول الديمقراطية. في باريس هناك مطار شارل ديغول على اسم الزعيم الفرنسي المعروف. وفي واشنطن هناك مطار داليس على اسم وزير الخارجية الأميركي، جون فوستر داليس، وفي أسبانيا هناك مطار أدولفو سواريز في مدريد الذي سمي على اسم مؤسس الديمقراطية الأسبانية وأول رئيس وزراء منتخب ديمقراطيا في البلاد. وفي لبنان هناك مطار رفيق الحريري الذي سمي على اسم رئيس الوزراء اللبناني بعد اغتياله عام 2005. تخليد اسم عبد الكريم قاسم دليل على وفائنا لرجل دفع حياته ثمنا ليؤسس لدولة عصرية منصفة. لقد اقترن اسم الجمهورية العراقية بمؤسسها عبد الكريم قاسم، وسواء سمينا معلما باسمه أم لم نفعل، فإن اسم عبد الكريم قاسم سيبقى خالدا ما بقي العراق.



اترك تعليقاً