مؤتمر حزب الدعوة الاخير … صورة من قلب الحدث

760

حيدر مخلف

منذ أشهر والانظار تتطلع صوب مكان انعقاد المؤتمر حيث حل أخيرا على كربلاء يوم الثاني عشر من تموز الجاري ليعقد الحزب مؤتمره السابع عشر , وآخر مؤتمر للحزب كان في 2013 لتتراكم جمة من المشاكل في السنوات الست المنصمرمة بانتظار هذا المؤتمر ليدرس الاسباب ويضع الحلول الملائمة . مشكلات في التنظيم والسياسية وهيكلية الحزب ومراجعة الاداء أبان فترة الحكم , كان الجميع يتطلع الى مراجعتها داخل المؤتمر من أجل الانطلاق مجددا وفق رؤى تلبي متطلبات الحاضر والمستقبل , سيما وان حزب الدعوة هو الحزب الاسلامي الشيعي العراقي الوحيد الذي تسوده الصبغة المؤسساتية كمجلس الشورى والقيادة الجماعية ومكاتب الحزب التخصصية ولجان المناطق والتنظيمات النسوية والشبابية ومختلف القطاعات , كل ذلك جعل من المؤتمر حدثا مرتقبا من قبل الاوساط العراقية , السياسية منها والاجتماعية وحتى الدينية فضلا عن اعضائه الذين وضعوا كل ثقتهم في هذا المؤتمر أن تكون مخرجاته خطوات الى الامام بعد مراجعة حقيقية لمواطن الضعف السابقة التي تزامنت مع العملية السياسية منذ التغيير في 2003 .
في الساعة العاشرة من يوم الجمعة في التاريخ المذكور وبحضور ممثلي دائرة الاحزاب في المفوضية العليا للانتخابات, اخذ أعضاء المؤتمر ال ( 375) أماكنهم على قاعة فندق البارون , وهي قاعة لا تصلح لاقامة المؤتمرات الكبيرة التي تتسم بالمناقشات ومداخلات النفي والاثبات . وعلى غير المتوقع تصدى للحديث السيد نوري المالكي من على منصة ادارة المؤتمر , رغم انه ليس الاكبر سنا , ليعلن بدء المؤتمر السابع عشر للحزب , ويوضح رأيه في اختيار ادارة المؤتمر , فالطريقة المعهودة أن ينتخب اعضاء المؤتمر الادارة بطريقة الاقتراع , لكن السيد المالكي استبعد خيار الانتخاب والاقتراع لادارة المؤتمر واكتفى بطريقة التعيين مكتفيا برفع الايدي على الاسماء المحددة لا غير, ووقع اختياره على الدكتور طارق نجم والشيخ عامرالكفيشي وعباس البياتي ومقررين اثنين هما كمال الساعدي والسيد عبدالمطلب والاخير من حلقة الشيخ الكفيشي التنظيمية , تم اختيار الادارة وفقا لما اراده السيد المالكي باعلان الاسماء ورفع الايادي دون احتساب الاصوات ودون ذكر اسماء غير الذين اختارهم , حتى أن احد اعضاء المؤتمر اقترح أن يضيف اسم عقيل الطريحي فلم يفعل, واعترض عضو مؤتمر آخر بأن الايادي المرفوعة لأحد اعضاء الادارة ليست كثيرة وقد لا تصل نصف العدد فأجابه ( اذا كنت جالس مكاني سترى الايادي المرفوعة كثيرة! ) وكانت هذه المصادرة الاولى للمؤتمر من قبل السيد المالكي .
في هذه اللحظات خيم الموجوم على الكثير من اعضاء المؤتمر لان البداية انفرادية بامتياز , وبدا للوهلة الاولى ان المؤتمر مصمم مسبقا وفق مقاييس السيد المالكي , وكانت هذه أول المخالفات فلا توجد له أي مائزة ليتصدى لتعيين الادارة وافتتاح المؤتمر دون غيره , سيما وانه أحد أهم اطراف المشكلة في الحزب الذي ينتظر المؤتمرون حلها ! .
كان على اعضاء القيادة الاخرين أن يعترضوا على طريقة اختيار الادارة ولكنهم سكتوا , وهذا السكوت في أول المطاف شجع المالكي للمضي قدما بخطواته في المؤتمر . بدأ المؤتمر اعماله بعد قراءة آيات من الذكر الحكيم .
وبدأ المؤتمر اعماله فعلياً بتقديم الادارة السيد نوري المالكي لاقاء كلمته كأمين عام الحزب , وعاد المشهد ليتسلل الى عمق اللاشعور لدى اعضاء المؤتمر من خلال الايحاء بالظهور والتصدي الدائم له ! . وكان من الأفضل والمنطقي أن يتم قراءة كلمة القيادة أولاً لأن المالكي واحدا من اعضائها وليس له صلاحيات تزيد على أي عضو في القيادة وفقا للنظام الداخلي للحزب . والاغرب من ذلك أن كلمة القيادة قرأها عضو قيادة وهو أحد اعضاء ادارة المؤتمر وهو ما يصب لصالح انفراد الظهور لصالح المالكي ويركز فكرة تغييب القيادة منذ بدايات المؤتمر .
من المعلوم عند اعضاء الحزب كافة والدوائر السياسية العراقية وغير العراقية أن القيادة بما فيها السيد المالكي عقدوا اتفاقا قبل ما يقارب الشهرين ووقعوا عليهم بتواقيعهم الحية يتضمن انسحابهم من الترشيح للقيادة للدورة القادمة وتجميد الامانة العامة للحزب للدورة القادمة كذلك , هذا الاتفاق القرار لاقى ترحيبا واسعا في اوساط الدعاة باستثناء عدد منهم أطلقوا على أنفسهم النخبة ولا يزيد عددهم على المائة, رفضوا القرار منذ اليوم الاول وعللوا ذلك بأن قرار عدم الترشيح ليس من حق العضو القيادي انما هو قرار المؤتمر ,ذلك لأنهم أعدوا ورقة تكرس تفرد الامين العام للحزب وتستبعد أي دور للقيادة ,وروجوا كثيرا الى ضرورة التخلي عن القيادة الجماعية والتوجه نحو الامانة العامة بصلاحيات مطلقة .

جل هؤلاء وليس كلهم , ممن أرتبط بالسيد بالمالكي بعلاقات شخصية أو ممن وظفهم المالكي ابان توليه الحكم وبعض منهم لديه مواقف سلبية من اعضاء القيادة . عرف السيد المالكي كيف يوظف هذه المجموعة من أتباعه لتمرير مشروعه والانفراد بقيادة حزب الدعوة الاسلامية .
في اليومين الاخيرين الذين سبقا المؤتمر كانت المفاوضات تدور بين السيد المالكي والقيادة على رغبته بسحب توقيعاتهم على الاتفاق والعودة الى الترشيح مجددا , وهنا دعا المالكي القيادة والشورى لعقد اجتماع يوم الاربعاء الموافق العاشر من تموز , قبيل المؤتمر بساعات , في بيته الكائن في المنطقة الخضراء , طرح على الشورى الانسحاب من اتفاق الانسحاب , مسببا أن اوساطا اسلامية محلية وخارجية اتصلت به وعبرت عن قلقها من قرار الانسحاب من قيادة الحزب لهذه الدورة . من هنا , واتساقا مع رؤية المالكي ( المتغيرة دائما ) عقدت القيادة اتفاقا جديدا نزولا عند رغبته أن المؤتمر العام ينتخب مجلس شورى الدعوة فقط وتبقى القيادة والامين العام بشكل مؤقت لا يزيد على سنة وقد لا يقل عن ستة أشهر ثم تنتخب الشورة القيادة الجديدة مع حديث غير قطعي في تجميد منصب الامين العام للحزب لهذه الدورة , واتخذوا ذلك شعارا فيما بينهم ( ندخل للمؤتمر متفقين لنخرج موحدين ) .
وبناء على ذلك الاتفاق عرضت الادارة على المؤتمر العام هذا الاتفاق على شكل مقترح للتصويت , وهو الغاء المادة 29 من النظام الداخلي التي تثبت انتخاب الشورى والقيادة والانضباط والامين العام في المؤتمر , والعودة الى المادة القديمة التي تعطي هذه الصلاحية للشورى , وجرى التصويت على التعديل بهدوء وسلاسة وتوافق أغلبية اعضاء المؤتمر على ذلك دون اي اعتراض يذكر , بالرغم من عدم قناعة حقيقية عند اعضاء المؤتمر لأن الغاء المادة 29 تعني الغاء أهم سلطات المؤتمر , ولكنهم صوتوا ليمضي الاتفاق وتخرج الدعوة موحدة وان تنازل المؤتمر عن سلطته من أجل وحدة الدعوة .
اعلن الشيخ الكفيشي بدوره في الادارة عن أوراق المؤتمر التي يناقشها على شكل لجان ويرفع توصياتها وهي عشر لجان بدءا بالورقة التنظيمية مرورا بأوراق المالية والشباب ودور العلماء الخ .. وانتهاءا بورقة تعديل النظام الداخلي , وقد اعلن الشيخ الكفيشي اسماء رؤساء اللجان . وتحولت قاعة المؤتمر الى دوائر بعدد لجان الاوراق المعدة للنقاش وكتابة التوصيات على أن يستأنف المؤتمر جلساته في الساعة الخامسة عصراً .
كانت لجان مناقشة الاوراق عملا روتينيا معتادا كما في المؤتمرات السابقة , لكن اللافت لنظر المراقب تجمع الكثير من اعضاء المؤتمر حول لجنة تعديل النظام الداخلي , جلوسا ووقوفا , ويرأس اللجنة عضو مؤتمر مسؤوله التنظيمي الشيخ الكفيشي نفسه , كما أن ثقل اعضاء محور النخبة كان ملحوظا في هذه اللجنة , وبدأت بعرض نصوص مقترحة للمواد المراد الغائها , بهدف اللجنة هو سلب صلاحيات القيادة واعطاؤها لمجلس الشورى , حتى أن حسن السنيد أحد أهم مصممي محور النخبة خاطب اللجنة بالقول ( لم تتركوا للقيادة شيئا في النظام الداخلي فكيف يقود من لا صلاحيات عنده ؟ ) ولم يلتفت له أحد لمعرفتهم المسبقة بتبادل الادوار , واستمرت ألوان المشهد لتصبح فاقعة .
هذه اللجنة الممثلة بمحور النخبة كانت سببا في حصول التناقض الصريح , فبدلا من أن تلغي المادة 29 التي صوت المؤتمر على الغائها صباحا , عمدت على ابقاء فقرة تنص على أن المؤتمر العام ينتخب الشورى والقيادة والامين العام , نقضا للاتفاق وخلافا للتصويت ! , الامر الذي جعل المؤتمر ينقسم على نفسه في اليوم التالي ليتحول الى ما يشبه المؤامرة العلنية .
استأنف المؤتمر اعماله في الساعة الخامسة , وبناء على تصويت جلسة صباح , اعلن الكفيشي عن فقرة انتخاب الشورى , أوضح الية الانتخاب , 38 مرشحا , التأشير على ورقة الانتخاب بما لا يزيد عن خمسين اذ تعد الورقة باطلة , يذهب عضو المؤتمر الى طاولة قرب المنصة يوقع مقابل اسمه ويأخذ الورقة الانتخابية ومعها ظرف , ينتخب ويضع الورقة في الظرف ويودعها الصندوق الانتخابي , وهذا المشهد تحت أنظار ثلاثة من ممثلي مفوضية الانتخابات .

ولأن بعض المرشحين لا يعرفهم جميع المؤتمرين اقترح احد الدعاة بضرورة قراءة اسماء المرشحين لينهض المرشح ويتمكن اعضاء المؤتمر من التعرف عليه , وهنا كانت فرصة مجانية للشيخ الكفيشي للتعريف بالمرشحين بحسب طريقته الايحائية ! فقرأ اسم أحدهم من النخبة ووصفه بالعظيم رغم عدم انطباق شروط الترشيح للقيادة عليه ! , بينما قرأ اسم ممن لا يرى رأي النخبة وعرفه على أنه سفيرنا في بلجيكا ايحاءا منه لاعضاء المؤتمر بأن الركابي بعيد عن الساحة ! في الوقت الذي يعلم الشيخ الكفيشي وجميع اعضاء المؤتمر أن صادق الركابي غني عن التعريف , واستمر بطريقته الايحائية , وعلى طريقة تبادل الادوار انبرى حسن السنيد مرة أخرى ليعترض على الكفيشي ويطلب منه قراءة الاسم دون اضافة تعليقات ! .
لعب الشيخ الكفيشي دورا كبيرا في التأثير على المؤتمر من خلال تصديه للادارة اذ تفرد بالادارة الناطقة الموجهة , ومارس قمعا واضحا لمن يريد أن يتداخل أو يعترض أو يذكر نقطة نظام من اعضاء المؤتمر من غير محور النخبة ! حتى صرخ ثلاث مرات لن أسمح لأحد أن يتكلم , بينما نراه يتماهى مع متداخلي النخبة رغم انها في الغالب خلاف السياق وطلب الدور في الحديث . هذا السلوك الاداري الذي مارسه الشيخ الكفيشي هو ذات السلوك من قبله في اللجنة التحضيرية التي استبعدت عشرات من الدعاة الذين لا يميلون لرأي النخبة وغير محسوبين على محور الزعامة الفردية ويؤمنون بمأسسة الدعوة , أو وجهوا يوما نقدا موضوعيا لسياسة المالكي , تم استبعادهم رغم توفر شروط دخول المؤتمر فيهم بينما حصلت استثناءات في الجانب الآخر , استثناءات من الشروط ! وهذا أغرب سلوك حزبي في تاريخ الاحزاب التي تعنى بالفكر المؤسسي على وجه البسيطة .
بدأ اعضاء المؤتمر يمارسون دورهم في انتخاب مجلس الشورى , وحصل لأول مرة في تاريخ مؤتمرات الحزب أن تم توزيع قائمة انتخابية مطبوعة تضم 31 مرشحا من مرشحي محور النخبة تبدأ باسم السيد المالكي , يتم التوزيع بطريقة الهمس والسرية ! وقد خلت القائمة من اسم اي مرشح من غير النخبة باستثناء علي الاديب , ويبدو ان اضافة اسمه محسوبا بدقة لتحييده من التصدي في مرحلة ما بعد المؤتمر! .
ومن المفارقة أن القائمة تضمنت اسماء لجنة الانضباط ( ثلاثة من اربعة ) وهم الشيخ الكفيشي الذي كان تسلسله ثانيا بعد المالكي وابو ضحى الدهلكي الذي كان تسلسله ثالثا وتضمنت كذلك اسم الحاج ابو سجى , وهم أنفسهم اللجنة التحضيرية التي أعدت للمؤتمر بكل تفاصيله , وهنا زال استغراب بعض الدعاة من حالات الاستبعاد التي حصلت , فقد كشف المؤتمر أن لجنة الانضباط وهي اللجنة التحضيرية ذاتها , ثلاثة من مجموع اعضائها الاربعة هم من طليعة محور النخبة ! . جدير بالذكر أن هذه اللجنة اقترحها السيد المالكي على الشورى أن تكون تحضيرية للمؤتمر , والنتيجة تتبع المقدمات كما هو معلوم .
من جانب آخر تم الكشف عن ورقة انتخابية أخرى غير مطبوعة بل تم تداولها في الواتساب بين اعضاء ملتقى كربلاء ولا يزيد عددهم على المائة .
وفي مقارنة سريعة بين القائمتين اقتصرت قائمة النخبة على محورها بينما ضمت قائمة ملتقى كربلاء بعض من مرشحي النخبة وايضا ضمت قائمة ملتقى كربلاء اسم المالكي , وزعت النخبة قائمتها مطبوعة على المؤتمرين كافة الا ما خرج بالدليل انه لا يوافق رأي النخبة , ووزع ملتقى كربلاء قائمته على اعضائه فقط وعن طريق الواتساب . كانت قائمة النخبة اقصائية بينما كانت قائمة ملتقى كربلاء تتجنب الاقصاء , وتحاول التركيز على المرشحين الوسطيين , ولو لم تكن هناك قائمة لملتقى كربلاء لكانت النتيجة اجتثاث من نمط دعوي جديد ! .
كانت اجواء المؤتمر ساعة انتخاب الشورى تشبه الى حد ما اجواء انتخابات مجلس النواب العراقي أو مجالس المحافظات أو انتخابات أحد النقابات المهنية التي يتبارى فيها أكثر من اتجاه للفوز والاقصاء مستخدما شتى السبل , بطريقة غابت فيها الاعراف الدعوتية التي كانت مصدا وحاجزا صلدا أمام بروز المحاور والانشقاقات , وحين غابت هذه الاعراف ساد جو التنافس الانتخابي المحض في اطاره غير المعهود حزبيا دعوتيا .



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*