*حزب الدعوة الاسلامية: الطريق الصعب للانتقال من الاوليغارشية الحزبية، الى الديمقراطية الشاملة*

482

* كامل علي
تؤدي الاحزاب السياسية دورا حاسما وحقيقيا في الأنظمة الديمقراطية، ولا سيما الديمقراطيات البرلمانية، والديمقراطيات الناشئة. فهذه الانظمة بحاجة الى أحزاب قوية، مستقرة، وفاعلة، من اجل تمثيل المواطنين، وتقديم خيارات سياسية، وبدائل لممارسة السلطة هدفها تحقيق الخير العام. ولا يمكن تصور نظام ديمقراطي من دون لاعبين ديمقراطيين، يتم اكتشافهم واختبارهم في ممارسات ديمقراطية محدودة كما في حالة استعمال الاليات الديمقراطية الداخلية في الاحزاب.
إن هذه الورقة تركز على حالة حزب الدعوة الاسلامية بوصفه أبرز الاحزاب الوطنية العراقية الممأسسة، والتي يفترض بمأسسة الحزب ووضوح معاييره، ان تنعكس خيرا على النظام السياسي العراقي واستقرار الدولة برمتها. فالمؤسساتية تزيد من احتماليات توقع الأداء، وتكبت القرارات الارتجالية الفردية، وتقلص من النزاعات على مستوى القادة، وبالنتيجة على مستوى العمل السياسي العام.
ستركز هذه الورقة ايضا على الحالة الحزبية، على الرغم من ان مفرداتها النظرية قابلة للتطبيق سياسيا على صعد متنوعة مثل الدولة.
وتحاجج هذه الورقة بعدد من المقدمات النظرية، نوجزها في الآتي:

*المقدمة الاولى:*
لم يعد مفهوم الديمقراطية مقتصرا على اختيارات وتوجهات الاكثرية، كما في التعريفات الكلاسيكية، وانما بات هذا المفهوم *شاملا* لحق الاقليات (بكافة اشكالها) في الحياة، وممارسة الرأي، والحفاظ على الوجود، فضلا عن الشفافية والحكم الرشيد والاحتكام الدائم للأسس القانونية والمؤسساتية في وضع السياسات وتنفيذها.
وينتج من الديمقراطية بالمعنى الحديث والمعاصر الشامل، أمرين اساسيين:
الاول: *الشرعية*، بمعنى انطباق النظام السياسي الحزبي على الانظمة القانونية المكتوبة، وعدم مخالفته اياها.
والثاني: *المشروعية*، بمعنى انطباق النظام السياسي الحزبي على ارادة القاعدة الحزبية. وبالطبع لا يمكن تخيل الانطباق التام والكامل للنظام السياسي الحزبي على ارادة القاعدة الحزبية، لكن المشروعية تقتضي عدم وجود اعتراضات جوهرية للمعترضين من القواعد الحزبية.
ويمكن تصور وجود مشروعية من دون شرعية، مثل حالة الانظمة الشعبوية حزبيا.
وانظمة شرعية دون مشروعية، كما في حالة الاحزاب المنقسمة على ذاتها بسبب الازمات، والتي بسببها تكون بحاجة الى نظام توافقي وحدوي بدلا عن الاليات الديمقراطية.
واحزاب او دول بلا شرعية وبلا مشروعية، كما في حالة الانقلابات.
واحزاب أو دول بشرعية ومشروعية كاملتين، وهي النمط المثالي المستقر الذي هو هدف هذه الورقة.

*المقدمة الثانية:*
إن كثيرا من الاحزاب تواجه أعراضاً مرضية، منها *(الاوليغارشية الحزبية)* ونعني بذلك تلك الحالة التي تتمكن فئة/شخص من الاستئثار بالحزب من اجل البقاء على رأس هرم القيادة، وازاحة المنافسين.
والاوليغارشية الحزبية تنشأ في الغالب في الاحزاب ذات الطابع الهرمي العمودي، لثلاثة اسباب رئيسة:
اولا ان القيادة تتمتع بامتيازات مستمدة من اوضاعهم بوصفهم قادة. فوسائل ادارة المال، الارشفة، اقامة المؤتمرات والندوات، الادارة اليومية للحزب، وهامش المناورة الدائم في اختيار الزمان والمكان والشخوص لاتخاذ اي قرار، هو جزء من هذه الامتيازات.
ثانيا: ان القيادة تتمتع بامتياز المعلومة، فالوجود على رأس الهرم يعطي القائد نظرة اجمالية اوسع من اجل تهدئة المخاوف، واستباق المطالب، وفهم مشاعر عدم الرضى، وايضا تزوده بفهم اوسع لنقاط ضعف المنافسين.
ثالثا: يتمتع القادة بامتياز الشهرة، داخليا وخارجيا. وهذا المظهر يؤمّن شعورا نفسيا في المقام الأول بالفرادة، و”عدم امكانية الاستغناء” عند القاعدة الحزبية بشكل اساس.

*المقدمة الثالثة:*
تتعدد اشكال الأحزاب من ناحية القيادة واختيارها تبعا للتجارب المختلفة. ويمكن الاشارة الى ثلاثة انواع مهمة، ومفيدة للتحليل في هذه الورقة:
الاول: شكل *قيادة القائد المسيطر*، وفيه يهيمن قائد ذو شخصية كاريزمية على قرار الحزب وموارده المادية والمعنوية، وذلك لما ترى فيه القاعدة من نزاهة وقدرة ومؤهلات على ادارة الحزب في المعترك السياسي. ويمكن في حالات متطرفة ان يذوب الحزب نفسه في هذا القائد.
الثاني: شكل *قيادة الأعيان*، وفيه تكون مجموعة من القيادات التاريخية مهيمنة على الخزين المادي والرمزي للحزب، وهي قيادة في حالتها المستقرة اقل اهتماما بالديمقراطية التشاركية على مستوى قاعدة الحزب، وتميل الى تأييد (النوعية العقائدية الحزبية) على (الكمية الديمقراطية).
الثالث: شكل *التمثيل الفردي*، وفيه يكون اختيار القيادة نابعا من اختيار دوائر اقليمية، او حصصية (نساء، شباب، قوميات، محافظات، الخ).

المركز الخبري, [١٤.٠٨.١٩ ٢٠:٠٥]
وهذا الشكل تحديدا هو الاقرب الى تعزيز العلاقة مع المناصرين والقواعد الحزبية، ويمكنه تسريع تأقلم الحزب مع مطالبات الجماهير الانتخابية.

بعد ذكر المقدمات الثلاثة، يمكن التوجه نحو ما نحسبه تفسيرا أوفى لما جرى (قبيل/أثناء/بعد) انعقاد المؤتمر السابع عشر لحزب الدعوة الاسلامية. فبعد السنوات الطويلة للهجرة ووجود قياداتٍ أمست تاريخية بفعل تواجدها المزمن في المواقع القيادية، تحول حزب الدعوة الاسلامية الى حزب تقوده فئة “أعيان”، قّلما اهتمت بالديمقراطية التشاركية. وما أدلّ على ذلك من التأخر المستمر في انعقاد المؤتمرات الحزبية، وتصميم المؤتمرات لتعيد ذات الاسماء الى مواقع القيادة. ولم يكن الامر ذات اهمية كبرى في مرحلة الهجرة، الا ان استحقاقات قيادة العملية السياسية في العراق بعد 2003م، والاستحقاقات الداخلية للدعوة، لا سيما بعد ما جرى في 2014، وضغط القاعدة الحزبية نحو الاصلاح والتغيير، جعل من الضروري الانتقال الى ما يشبه نمط (التمثيل الفردي) في القيادة. ومن اجل ذلك تعتمد الاحزاب بشكل عام على طريقتين لاختيار من يحق لهم التصويت ابتداءً:
الاولى طريقة المعايير الواضحة والمكتوبة (كأن يكون –على سبيل المثال- عمر الفرد في الحزب 10 سنوات فما فوق)، أو طريقة الانتخابات التمهيدية للدوائر. وفي هذه الطريقة تأكيد على مساواة اعضاء الحزب، وايضا وضوح في المعايير، لكنه يهدد بدخول من لا يؤمن بشكل جوهري بمبادئ الحزب وعقائده وتوجهاته.
الثانية: هي اختيار لجنة قيادية تتولى اختيار الاعضاء ممن يحق لهم التصويت. والاشكالية التي تواجه هذه الطريقة هي في استبعاد من لا يلائم توجهات القيادة، و *ضعف* المعايير المكتوبة والقابلة للتحقق وسيادة *الانطباعية* في تزكية الاعضاء.
ومن الواضح ان المؤتمر الاخير لحزب الدعوة الاسلامية انعقد وفقا للآلية الثانية، وهي آلية رغم انها حافظت على تماسك الحزب وعقيدته وتوجهه العام، الا انه رسم –وما يزال- علامات استفهام على من استبعدوا، او قسم ممن حضروا المؤتمر، بل حتى من فاز بالترشيح لشورى الحزب.
إن *ضعف* الآليات القانونية المكتوبة، ووجود عناصر وجدانية ذاتية في اختيار المؤتمرين، والمرشحين للشورى، جزء من الاشكاليات الجوهرية التي تثير تساؤلات حول (شرعية) القرارات المتخذة في المؤتمر، و(مشروعيتها) كما اوردنا ذلك في المقدمة الاولى.
اضف الى ذلك أن الانتقال من (اوليغارشية الاعيان) الى (اوليغارشية القائد المسيطر)، بدت انتكاسة جسيمة، على الرغم من أن هذا الامر حلّ عُقداً مستعصية، منها احتمالات الانقسام الطولي للحزب، وتكلّس الازمة بين القيادات، والقراءات غير المتفق عليها في فكر الدعوة الاسلامية فيما يتعلق بدور المرجعيات الدينية في الحياة السياسية والتي كانت احدى نتائجها ما جرى بُعيد انتخابات 2014م.
وإذ نشير الى الانتكاسة الجسيمة، باعتبار ان حزب الدعوة الاسلامية الحزب الأبرز الذي يستحق صفة (الحزب) بجدارة الى جانب احزاب لا يتجاوز عددها اصابع اليد الواحدة في العراق، وان لنجاح حزب الدعوة داخليا، انعكاس مباشر على الحياة السياسية في كل العراق، بناءً للدولة وصياغةً للأمة.
إن الاوليغارشية الجديدة في حزب الدعوة الاسلامية تؤدي الى جملة من النتائج على المديات القصيرة والمتوسطة والبعيدة، نشير الى جملة منها:
– ان هذا الامر سوف ينعكس ضعفا مؤسساتيا، وتركّزا في القرار الفردي.
– إن القرارات “معدومة البنى الشكلية” تؤدي في المدى الطويل الى ضعف آليات انتقال القيادة، وتحديد السياسات، وتهرؤاً للـ(شرعية)، وتآكلاً في (المشروعية) بتبع ذلك.
– تؤدي الاوليغارشية الجديدة الى احتدام النزاع بين الحلفاء العتيدين (اقرأ= القيادات التاريخية)، وتثبيط عزيمة الموهوبين، وكل ذلك لعدم وجود سبل واضحة للتقدم والتطور، وضعف آليات وضع السياسات.
– من المتوقع جدا أن تؤدي قلة قنوات تصريف النزاعات، وتركّزها في مركز واحد، الى تكلّس النزاعات، المؤدية الى تساقط أو انعزال الافراد او حتى قيادات مهمة، _وهو ما ينبغي الحذر منه_ دون ان يكون ذلك مدعاة بالضرورة لانشقاقات حزبية طولية منظمة، كما كانت احتمالات ذلك واردة قبيل انعقاد المؤتمر الـ17 لحزب الدعوة الاسلامية.

*انتهى*
https://t.me/nnc2018



اترك تعليقاً