طقوس العزاء الحسيني.. “ارتباط روحي” تعكره السياسة والفوضى

67

منذ 17 عامًا يعيش العراق 50 يومًا استثنائية في كل عام، تبدأ من الأول من محرم وحتى 20 صفر، يقيم خلالها أتباع آل البيت سلسلة طقوس تمتزج بين التدين الشعبي الفطري، والأداء الديني وفقًا للمدارس الفقهية في المذهب الجعفري، ولا تخلو هذه الأيام من نقاش حاد بين مؤيد لتلك الطقوس بوصفها تمثيلًا للموروث الشعبي الفلكلوري وبين آخرين يُشكلون على ماهيتها والمغالاة فيها، فضلًا عن السلبيات المترتبة عليها من قطع الطرق والإزعاج السمعي وغيرها.

تشهد البلاد نحو 7 أسابيع استثنائية في كل عام تمارس فيها طقوس العزاء الحسيني بأشكال وطرق متنوعة تثير الكثير من الجدل
بين الفريقين، يؤدي البسطاء وغيرهم على حد سواء تلك الطقوس بأجواء روحانية. تبدأ دورة حياة الشعائر الحسينية منذ الليلة الأولى لشهر محرم، حيث يتم تغيير الرايات التي تعلو قبتي الإمام الحسين بن علي وأخيه العباس من الحمراء إلى السوداء كإعلان لبدء موسم الحزن، وهذا متوارث منذ زمن بعيد لدى إدارة العتبتين، فيما تبدأ المواكب الحسينية فعاليات متنوعة من مجالس عزاء وطبخ ومسيرات لطم وضرب بـ “الزنجيل” على وقع القصائد الحسينية التي يلقيها “الرواديد”.

تتركز الطقوس في العشرة الأولى من شهر محرم، وتستمر المواكب والعوائل على حد سواء بطبخ الطعام وتوزيعه مجانًا باسم الإمام الحسين، ثم تبدأ بعد ذلك مرحلة الاستعداد لزيارة الأربعين، التي يسير فيها الملايين من منازلهم وحتى محافظة كربلاء قاصدين العتبتين الحسينية والعباسية، حيث تنتشر على طول شبكة الطرق المؤدية إلى كربلاء مواكب تقدم كل ما يحتاجه الزائر مجانًا، وسط استنفارللجهات الأمنية والخدمية التابعة للدولة.

خطباء “ترند”.. سياسة هدايا ودولارات

يستعد أصحاب المواكب الحسينية قبل أشهر من محرم، لضمان الحصول على خدمات الخطباء والرواديد، خاصة في الأيام العشرة الأولى منه، حيث تقام ذروة الشعائر، وتعتمد تلك الاتفاقات على تحديد الوقت والأجور، حسب أهمية الخطيب والرادود ومكانتهما.

يتصدر عدد من الخطباء “ترند” المجالس الحسينية، حيث ساهمت القنوات الدينية التي تنقل المجالس مباشرةً في تسويقهم، فضلًا عن مواقع التواصل الاجتماعي، وقد تصل أجور بعضهم إلى عشرات آلاف الدولارات، بحسب أصحاب مواكب، ولا تقتصر مجالسهم على العشرة الأولى حيث تستمر إلى بداية شهر صفر، يتنقلون بين المحافظات وبعضهم بين البلدان.

يعتمد الخطباء على استدرار دموع الناس بتسليط الضوء على الجانب العاطفي والمشاعر التي رافقت واقعة الطف، كما يقول رجل الدين سلام المياحي، والذي يرى أن “القضية التي قدم الحسين لأجلها نفسه وأهل بيته هي قضية أهم من الحسين شخصيًا، لأنه ضحى من أجلها”، مؤكدًا أن “الخطباء يبذلون جهدًا مضاعفًا لإبكاء الناس دون تعليمهم أهداف القضية الحسينية، حتى تحول الخطيب إلى العمل وفق نظرية (الناس تريد هيج)، فيما نلاحظ صعود خطاب التعصب من على المنبر الحسيني، وتحشيد الناس طائفيًا بدعوى المطالبة بالحقوق”.

يتنافس أصحاب المواكب الحسينية والمجالس على المشهورين من الخطباء، والذين قد تصل أجورهم إلى آلاف الدولارات
يضيف المياحي في حديث لـ “الترا عراق”، أن “للإمام الحسين خصوصية، فعلى الرغم من استشهاد جميع أهل البيت، بالإضافة إلى أن أغلبهم تعرضوا للظلم وقصص قتلهم حزينة، لكن حجم التضحية التي قدمها الحسين في كربلاء، شجعت أهل البيت على إحياء ذكرها، ولكنهم لم يختزلوها بالحزن فقط، فهناك مواعظ وأهداف سامية وتخليد واقعة الطف لاستلهام العبر والدروس”، عادًا أن “الحسين ليس ثائرًا فقط وإنما إمام زمانه وفعله يعتبر سنة وفق المذهب الجعفري، والسنة يجب اتباعها من كل مكلف، ما يعني أن على المكلف الوقوف بوجه الظالم مهما كلف الأمر، لأن القضية هنا أكبر من حفظ النفس، والسكوت عن الظالم مفسدة أكبر من هلاك النفس”.

حول الأجور التي يتقاضاها الخطباء أوضح المياحي، أن “الأجور غير محددة بسقف، فالأمر يعتمد على عدة عوامل، منها شهرة الخطيب أو الرادود، بالإضافة إلى مكانة الموكب وتاريخه وإمكانيات المؤسسين”، مؤكدًا أن “هناك حسينيات تُهدي سيارات وآلاف الدولارات للشعراء والخطباء والرواديد، في حين يكتفي البعض بهدية بسيطة”، فيما أشار إلى أن “معظم الخطباء لا يطلبون بشكل مباشر، ولكن هناك أجر متعارف لكل خطيب، يتم الإفصاح عنه غالبًا من قبل مرافقيهم”.

كما يشير، إلى توظيف المنبر الحسيني لأغراض سياسية، وهو حدث ليس بـ “الجديد” على حد تعبيره. يقول إن “ذلك أحد أكثر الأشياء التي أضرت بالدين وشوهته منذ بداية الإسلام إلى يومنا هذا، بالإضافة إلى أن الخلاف المذهبي ووصوله إلى حد التناحر سببه السياسة”، مبينًا أن “السياسي انتفع منفعة كبيرة بتوظيف المذهبية والقضية الحسينية لمصالح شخصية، حيث تمكنوا من التعامل وفقًا للهويات المذهبية والمناطقية وغذوا المجتمع بالتعصب والطائفية حتى تحولوا هم إلى منقذين بنظر البسطاء”.

جدل “الواجب والمستحب”!

يأخذ شهر محرم بعدًا روحيًا في المجتمع، يخيم الحزن على الجميع وتتحول البلاد إلى مأتم كبير يفرغ فيه الجميع همومه في إطار القضية الحسينية، فالحروب في البلاد مستمرة كما يجري رافداها، ولا يكاد يخلو زقاق أو منزل من حزن عتيق وعزيز مفقود. يحيي الجميع تلك الشعائر مع خصوصية لكل منطقة أو حي أو عائلة، بين طبخ أطباق “الثواب” المعروفة كـ “القيمة، الهريسة”، أو إقامة المجالس الحسينية للرجال والنساء في أيام محددة.

يقول الحاج خالد السراي، والدموع لا تزال بادية في عينيه بعد مجلس حسيني أقامه في منزله ببغداد، إن “الارتباط بالإمام الحسين، هو التزام أخلاقي وروحي ورثناه أبًا عن جد، ولم نتخل عنه حتى في أشد الأيام قسوة وصعوبة، في ظل النظام السابق وسنوات العنف الطائفي، فكنا نقيمه على نحو محدود وضيق”.

ترى شريحة كبيرة من الشيعة في الشعائر الحسينية “واجبًا أخلاقيًا” يجب إحياؤه وتوريثه للأبناء بهدف الحفاظ عليه
لا ينكر السراي، حجم الفائدة التي تعود على المجتمع لو خصصت الأموال التي تنفق في كل عام على طبخ الطعام وإقامة العزاء الحسيني، للأسر الفقرة والمتعففة أو بناء المدارس وإقامة المشاريع المجتمعية، لكنه يقول إن “شعائر الحسين جزء من هويتنا التراثية والشعبية قبل المذهبية، وهذا ما نحاول الحفاظ عليه وتوريثه لأولادنا”.

كما يؤكد، أن “مظلومية الحسين ومأساته، تحرك مشاعرنا وتوقظ أحزاننا الخاصة”، مضيفًا: “أنا فقدت زوجي وابنتي بحادث سير، وهناك آخرين فقدوا أبناءهم جراء الحروب والموت المجاني الذي ألمَّ بالعراقيين”، فيما يرى أن “التعبير عن الحزن على الحسين يأخذ سياقات مختلفة وخاصة، وهناك من يحاول استغلالها سياسيًا، لكننا نحن نعرف الحسين ونحبه على طريقتنا بعيدًا عن الجميع”.

“قطع طرق.. وتعطيل للحياة”!

يختلف تفاعل الناس مع الشعائر الحسينية خاصة في المناطق المتنوعة سكانيًا فضلًا عن أتباع أهل البيت، من حيث تنوعها والتماهي مع صورها التي تمثل بعضها خلافًا فقهيًا، مثل التطبير، فيما يدعو فريق إلى تنظيمها بشكل أكبر وتحريم قطع الطرق وإيذاء الناس.

يسلك علي حسن، وهو مواطن بغداد، شبكة طرق فرعية تكلفه نحو ساعة للدخول والخروج من منطقته خلال الأيام العشرة الأولى من شهر محرم، بالإضافة إلى تعطيل شبه تام للمدينة يبدأ بعد 5 صفر تقريبًا حيث ينطلق الزائرون إلى كربلاء.

يشير حسن، إلى “انتشار المواكب بشكل فوضوي، حتى أن بعضها يعود لمجموعة من الأطفال يقطعون الطريق ويضعون خيمة مقوسة ويوزعون المأكولات والمشروبات بمساعدة ذويهم، بالإضافة إلى مكبرات الصوت التي تعمل طوال الوقت، ولا تقتصر على المحاضرة الدينية أو مجلس اللطم، ما يسبب إزعاجًا وفزعًا في المنازل المجاورة للمواكب الحسينية”، مبينًا أن “أية محاولة لتهذيب وعقلنة الشعائر تجعلك محط اتهام بالحقد وكره الإمام الحسين”.

يقترح حسن في حديث لـ “ألترا عراق”، أن “تكون المواكب مركزية لتجنب العشوائية والحضور الضعيف”، فيما يعزو انتشار المواكب بشكل مبالغ فيه إلى “الرياء والرغبة بالتميز، حيث تحولت المواكب إلى المغالاة والتنافس في تقديم الخدمات بين الأشخاص والمناطق وحتى العشائر، بالإضافة إلى الخلافات السياسية والتوجهات الدينية التي تجعل كل فريق في عزاء منفرد”، متسائلًا عن إمكانية “اتحاد المواكب ضمن الرقعة الجغرافية التي تناسب أكبر عدد من الناس، ما يوفر المال ويضاعف عدد المعزين”.

تتصاعد في كل عام دعوات إلى “تشذيب” ممارسات العزاء الحسيني وعدم “إزعاج” الناس و”إيذائهم” بقطع الطرق ومكبرات الصوت
لا تتوقف القضية عند هذا الحد، حيث يقول رجل الدين سلام المياحي، إن هناك “ممارسات تحسب على الشعائر، وهي تسيء للقضية الحسينية، وتحظى بقدسية مجتمعية تجعل الكثير من مراجع الدين يتجنبون التطرق إليها خوفًا من الناس وردة فعلهم، وهذا السكوت والركون للرأي الجمعي مخالف للدين ولنهج الإمام الحسين، بدليل ما جاء به النبي محمد وهو مخالف لعادات المجتمع وطبائعهم”.

حول قطع الطرق وأصوات مكبرات الصوت في الحسينيات والمواكب يؤكد المياحي، إن ذلك “غير جائز على رأي مشهور العلماء”، داعيًا إلى “وضع آلية من قبل المرجعية الدينية والجهات المسؤولة لاختيار خطباء المنبر، للتوعية بمثل هذه المسائل”.
المصدر:الترا عراق



اترك تعليقاً